سرّ الغرفة (46)‏

أحمد فراس الطراونة

روائي وإعلامي أردني

 

النَصّ الفائز مناصفة بالجائزة الأولى لمسابقة وزارة الثقافة (كُلّ ‏مُرّ سيمُرّ) "كتابة اليوميات في زمن كورونا"‏

 

لَم تكن دقّات رقّاص الثواني لزجةً دبقة كما هي تلك الليلة، ‏كانت تفلت من الزَّمن لتغيب في لحظة مؤلمة، ملامح ‏الساعة الخشبيّة العتيقة المركونة على حافة الحائط تشبه ‏وجه عجوز يجلس على حافة العمر يتسلّى في حَصر ‏خرزات مسبحته حتى بلغ التاسعة والتسعين فأمسك بها ‏خوفًا من النهاية.‏

جرس الغرفة بصوته الثقيل الذي يعلق بالهواء هو الآخر لم ‏يتركني، وقع على مؤخرة رأسي كهراوة فتكت بوحدتي، ‏أخرجني من بلادة الحياة، وأعاد لذاكرتي بعض الاتزان، لا ‏أحد خلف بوابة الغرفة يهتم بأمري، وحيدًا في مدينة لا ‏تعرف أهلها. ‏

‏"من؟".. سؤالٌ أخرق تاه في السرداب الوحيد المفضي إلى ‏باب الغرفة، لم يسمعه الطارق، عدتُ أحدّق في اللا شيء، ‏لحظة اغتراب في سرداب مدينة بلا ملامح، وزمن بلا ‏ظلال تضبط إيقاعه، كنت أتمنى في تلك اللحظة أن يكون ‏الكونُ كلّه، بكل خوفه وسخريته من الخوف، بكل جماله ‏وقبحه، بكل أسراره وفضائحه، بكل أرباحه وخسائره، ‏تمنيت أن يكون زجاجةً صغيرة فألقيها من شبّاك الغرفة ‏التي تتوسط الدورَ الأربعين في الفندق الباذخ لتتناثر إلى ‏غير رجعة. ‏

لم يتوقف قرع جرس الباب، لملمت أعضائي التي كانت ‏موزّعة على أريكة متعَبة من أجساد العابرين، فتحت ‏الباب. كان عامل الفندق. قال: "هذه ملابسك.. أحضرتها ‏إليك في الوقت المحدَّد، لأنك أخبرتني أنك ستغادر الفندق ‏بعد ساعة من الآن". ‏

أخذتُ الملابس بعد أن شكرته، علّقتها خارج الخزانة، ‏امتدّت يدي لا شعوريًّا إلى جهاز التحكُّم عن بُعد، قلّبت ‏قنوات التلفاز الواحدة تلو الأخرى، أوقفني خبر فيروس ‏‏"كورونا" الذي ينتشر في الأرض كانتشار النار في ‏الهشيم، لم أنتبه كثيرًا. حاولتُ أن أسمع مرَّة أخرى. لا ‏أريد. كأنَّ الأخبار تأتي من مقبرة بعيدة، مقبرة واسعة ‏الأرجاء كمقابر الحرب العالمية الثانية. المذيع مجوّف ‏الرأس بربطة عنقه كركميّة اللّون والرائحة، يتكرر في ‏جميع القنوات. اجتاحتني رغبة قوية في سحبه من ربطته ‏لأريح العالم منه. وبنزق وسخرية قلت: "أستغفر الله".‏

رميتُ الجهاز جانبًا وعدتُ إلى الشبّاك أتأمّل البشر الذين ‏بدتْ ملامحهم من شبّاك غرفتي كأنهم بلا رؤوس، ‏يسيرون في شارع بلا نهاية. عدتُ لترتيب حقيبتي، تركتُ ‏القميص الأزرق وبنطال (الجينز) والحذاء الرياضي خارج ‏الحقيبة، وأغلقت الحقيبة ووضعتها عند باب الغرفة، ‏ارتديتُ ملابسي، وكعادتي في اللحظة الأخيرة، تفقّدت ‏أشياء ثلاثة؛ محفظتي، وهاتفي، وجواز سفري. نظرتُ في ‏المرآة مرَّة أخيرة، اكتشفتُ أنَّ هذا القميص من أكثر ‏ملابسي ارتباطًا بالحظ السيّئ، تجاهلتُ الأمر، لكن ما جلب ‏انتباهي هو غياب صورة وجهي في المرآة، كنتُ أبحث ‏عنّي في زحام الشظايا التي قسمتني إلى صور قميئة.. ‏‏"كأنَّ المرآة لا تريد أن تراني!"، تساءلتُ وأنا أسحب ‏إصبعي على ما تبقّى من بخار نفثتُه على وجهها من فمي. ‏تظاهرتُ أمام المرآة أنني لا أحفل بكلِّ صورها. مَن قال ‏إنّ الصور التي نراها تعكس دائمًا حقيقة أصحابها؟!‏

أقفلتُ باب الغرفة (46) وسحبتُ الحقيبة إلى المصعد، لا ‏أعرف إن كان ذلك نذيرَ شؤم، إذ يتوقف هذا الصندوق ‏اللعين في معظم طوابق الفندق على الرغم من تعدُّد ‏المصاعد. لم أستطع أن أفسّر ما يدور في هذا الصندوق ‏الذي يلغي الفوارق بين بني البشر كما هو هذا الوباء الذي ‏يجتاح الزمان. رجل واحد وجدته داخل المصعد، استطاع ‏أن يضبط إيقاع الحياة على مقياسه. كان يستغفر بشراهة، ‏بينما الآخرون يصعدون وينزلون في الطوابق المختلفة، ‏يسيطر على ثرثرتهم الخوف مِن هذا الذي يجتاح العالم ‏بسرعة.‏

لفت انتباهي ذلك الآسيوي قصير القامة، وكأنه يتبع ‏خطواتي في بهو الفندق، اقترب من حقيبتي، رمقها بعينيه ‏الصغيرتين مقارنة بوجهه الدائري الواسع، لم أعره اهتمامًا ‏كافيًا، ثم غاب في الزحام بينما كنتُ أنهي الإجراءات ‏لمغادرة الفندق.‏

تركتُ مكتب الاستقبال وعدتُ كي آخذ حقيبتي، فلم أجدها. ‏صاعقة تخرجني من كل هذه البلادة وتجعلني أهرول ‏كالممسوس في ردهات البهو... أسأل هنا وهناك، ولا ‏إجابة. يبدو أنني سأعود إلى عمّان بخفّي حنين. ما يؤلمني ‏ليس محتويات الحقيبة من أغراض خاصة وملابس، وإنَّما ‏الأوراق والعقود الخاصة بالصفقة التي جئتُ لإنجازها، ‏فليس لديّ أيّ نُسَخ عنها.. لم أعد أطيق هذا المساء الثقيل، ‏ولا أعرف من أين تأتي هذه الكآبة، لكنها تفيض في ‏صدري وفي المكان وفي الطرقات وحتى في وجوه الناس.‏

بينما كان سائق السيارة يسألني عن حقيبتي، لمحتُ الشاب ‏الآسيوي مرَّة أخرى يمرُّ أمامي، وقفتُ مسرعًا، مددتُ ‏يدي إلى كتفه ثم تراجعت، كنتُ أريد أن أسأله عن الحقيبة، ‏سمعتُه يهمس بالاستغفار. "ما الذنوب الكبيرة التي اقترفها ‏لتدفعه إلى كل هذا الاستغفار؟!"، سألتُ نفسي وأنا أقف ‏مترددًا أتتبّع خطواته وهو يسير نحو بوّابة الفندق.‏

فقدتُ الأمل بالعثور على الحقيبة، وأبلغتُ عنها ‏المختصين، ثم غادرت الفندق متجهًا إلى المطار. ‏

‏"الكورونا" تجتاح العالم، بينما تجتاحني اللامبالاة، تقرض ‏أفكاري كفأرٍ بدين، أتفقَّد الأبراج العالية والطرقات ‏الملتوية، يمتدّ الليل طويلًا بينما أنا غير آبهٍ بالأضواء ‏حولي، الزمن يتجعّد على نافذة السيارة، وينزّ الضجر من ‏زجاج الأبراج التي تتدلّى من صفحة السماء كأذيال البرق، ‏مذياع السيارة يثرثر بالوجع الذي يقرص أذن الأرض أو ‏يحاول أن يعيدها إلى رتابتها، كل ذلك جعلني أفكر أنَّ ‏المكان الوحيد الذي تنام فيه دون أن يفوتك موعدُ الإقلاع ‏هو السيارة التي تقلّك إلى المطار. تهدّلت أجفاني مؤذنةً ‏بغيابٍ تام عن هذه الفوضى، أو هي ارتحال إلى فوضى ‏أقصر زمنًا. مال رأسي على حافة المقعد الخلفي للسيارة، ‏لا أعرف من أين جاء سرب الخفافيش مسرعًا يخترق ‏رأسي ويجعل أجنحته تصفّق في جمجمتي. قد يكون الخبر ‏المشؤوم الذي ربط "كورونا" بالخفاش هو ما جعل هذا ‏الكائن يرسخ في ذاكرتي كي أستدعيه في لحظة اللاوعي، ‏لكن لماذا ظهر الشاب الآسيوي في الكابوس وكأنه هو مَن ‏استثار الخفافيش دفعةً واحدة لتندفع في وجهي. سائق ‏السيارة أوصد الباب في وجه هذا السرب اللعين ليبقى أثر ‏صفق أجنحته المسخ يقرع في ذاكراتي.‏

‏"وصلنا، هل تريد أن أساعدك في حمل حقيبتك؟! آه.. ‏أعتذر، ليس معك حقيبة!".. كلماته كأنها إبرة تُغرس في ‏عيني، أعادتني إلى الحقيقة التي حاولت نسيانها. شعرتُ ‏أنني في غابة، أصوات الناس كثغاء قطيع من الماعز ‏يبحث عن صغاره، نداءات رتيبة في مطار يشبه عنقودًا ‏من الأضواء تنزلق إليه الفراشات مسرعةً تبحث عن النور ‏والحياة، لتقع في شِباك النهايات، أيُّ نهايات؟ لا أحد ‏يعرف.. هل الفراشات تطرد خُطى النور، أم هو النور ‏يقصّر خُطى الفراش حين يفيض عن الحاجة ويغدو ‏قاتلًا؟! نعم.. النور حين يغدو قاتلًا!‏

أحاول أن أستعيد ذاتي وأنا أضع قدمي فوق ممرّ كهربائي ‏يعبر بي إلى جوف المطار، يسير بي ببطء، تدور عيناي ‏في محجريهما ككاميرا، يمرّ الشاب الآسيوي من جانبي ‏يهرول مسرعًا وهو يتمتم مستغفرًا، وأنا واقف على الممر ‏الكهربائي أنتظر الوصول لغايتي. ‏

أخيرًا وصلت، اصطفّ الجميع في طابور طويل، الكلّ ‏يخضع لفحص سريع يُعطي نتائج أوليّة حول الإصابة ‏بالوباء الذي بدأ يرتّب البشر في قالب واحد، أشعل أحدهم ‏الضوء في جبهتي، نظر في الشاشة الصغيرة ثم أومأ لي ‏بتجاوز الخط الأصفر، لا أعرف لماذا كان الضَّجر هو ما ‏دفعني للاستغفار.‏

‏"أستغفر الله".. عبارة لم أردِّدها في الرَّخاء، قلتها بنزق ‏محتجًّا في داخلي على ما نمرُّ به من إجراءات مقيتة ‏وغريبة للفحص. أنهيتُ إجراءات الصُّعود إلى الطائرة، ‏جلستُ على أحد المقاعد قرب بوّابة الدخول أنتظر أن ‏تُفتح، فتحتُ الهاتف كي أستطلع آخر الأخبار، صفحة ‏‏(الفيس بوك) بذبابها غير الملتزم بدت لي صحنَ سُكّر في ‏يوم قائض، أصابني الدوار حين وقعت عيناي على خبر ‏مفاده أنَّ عمّان قد بدأت بتطبيق إجراءات الحجر الصحّي ‏على جميع القادمين من المنافذ الجويّة والبحريّة والبريّة ‏ومن جميع دول العالم دون استثناء. انحبس الهواء في ‏صدري.. حاولتُ أن أكذّب الصور والخيالات التي قفزت ‏أمام مخيّلتي، أحسستُ بالاختناق، فككتُ أزرار القميص ‏الأزرق المشؤوم وأخرجتُ سيجارة وأشعلتُ رأسها.. ‏‏"أستغفر الله العظيم".. ‏

نفثتُ عُقد الدخان في سماء القاعة، أحد رجال أمن المطار ‏يلتقف السيجارة من فمي بسرعة خاطفة.. التزمتُ الصمت ‏بعد أن صمتت أوصالي مُقرًّا بالخطأ الفادح.‏

دقيقة صمت أربكتني، الساعة الثالثة ليلًا في المطار، ‏الإقلاع إلى عمّان بعد نصف ساعة، الشاب الآسيوي نفسه ‏يجلس على الكرسي نفسه، يرمقني بعينه ثم يُتبع ذلك ‏بابتسامة لا تكاد تظهر في وجهه. هممت بسؤاله عن أشياء ‏كثيرة، عن هذا الحجر المفاجئ، عن وجوده في هذه البلاد، ‏عن سرّ زيارته للأردن، عن سرّ هذا الاستغفار العجيب ‏الذي لا يغيب عن شفتيه، عن سرّ هذه الابتسامة التي لم ‏تفارق وجهه، لكنني تردَّدت في ذلك. اقترب الشاب مني ‏ثم قال بلغة عربية سليمة: "السلام عليكم"، فرددتُ: ‏‏"وعليك السلام ورحمة الله".‏

كانت تحيّته قد أيقظت الأسئلة في داخلي من جديد، ‏وأثارت رغبتي بالاقتراب منه ومعرفة أسراره.. هممتُ ‏بذلك، لكن النداء الذي أعلن عن فتح بوابة الطائرة المتجهة ‏إلى عمّان أجّل ذلك إلى إشعار آخر. تجمهر الركاب عند ‏البوابة، وبدأوا بالصعود.. الآسيوي يقف خلفي، أشعر ‏بأنفاسه تخترقني، واستغفاره يكتظ في المساحة المضاءة ‏أمام عيني ويراكم على أجفاني شيئًا يشبه الغيم الثقيل ‏الغارق بالرطوبة. (20‏B‏) رقم مقعدي. رميتُ جسدي ‏عليه، وكالعادة أرغب أن لا يجاورني أحد، لأنني شغوف ‏بالمساحات الفارغة، لديّ رغبة في امتلاك كل فراغات ‏الأرض كي أترك فيها روحي التي بدت محصورة في ‏علبة كبريت. الآسيوي يقف مرة أخرى على رأسي، ‏الاستغفار كالإبر والابتسامة الضائعة في صفحة الوجه ‏الدائري تلاحقني، هززت رأسي، أريد أن أتخلّص من ‏الرتابة التي بدت تجترّني في جوف هذه الطائرة اللعينة، أو ‏قُل في جوف هذا الكون.. مدّ إصبعه إلى المقعد الذي ‏يجاورني، وطلب مني أن أفسح له المجال كي يجلس في ‏المقعد (20‏A‏). ‏

جلس بانتظام آلي ولملم نفسه داخل المساحة المخصصة ‏له، بينما أنا أتناثر هنا وهناك.. أشيائي تتبعثر كالأفكار ‏التي تفككني ثم تعيد ترتيبي من جديد. أردتُ أن أمدّ يدي ‏إلى النافذة كي أفتحها، صفعتني الآلة التي تختبئ في ‏رأسي: "أنت لستَ في سيارة"! مددتُ رقبتي كي أرى ‏الأرض، رأيتُ ناقلة الحقائب تمرّ من أسفل أجنحة الطائرة ‏باتجاه المكان التي توضع فيه، قلّبت الحقائب ببصري ‏سريعًا، رأيتُ حقيبة تشبه حقيبتي.. هي؟! لا.. ليست هي.. ‏ما الذي يأتي بها إلى هنا؟! لقد أقلعَت على طائرة أخرى! ‏كان الشاب الآسيوي يتابع حركاتي بطرف عينه، لم ‏يمتعض، لم يُبْدِ أيّ اعتراض على أيٍّ من تصرُّفاتي، فقط ‏كان يستغفر بهدوء، تكاد عبارة الاستغفار تخرج وكأنها ‏تُسمَع من مذياع بعيد، يكرِّرها بلا كلل أو ملل.. فكّرتُ أن ‏أفتح فمه كي أرى إن كان يخبئ مذياعًا في فمه!‏

‏"إلى أين ستسافر في الأردن؟"، باغتُّه بسؤال لم يكن ‏يتوقّعه، فنظر إليّ بهدوء والابتسامة تملأ وجهه قبل أن ‏يقول: "إلى عمّان، ومنها إلى جامعة مؤتة في مدينة ‏الكرك، فأنا طالبٌ في السنة الرابعة في تخصُّص أصول ‏الدين". وأتبع ذلك بعبارة استغفار سريعة وكأنَّ حديثنا قد ‏أخذ من وقت استغفاره ويريد أن يعوّض ما فاته.‏

تركني قليلًا ليراقب لحظة الإقلاع، وحاولتُ أن أرفع ‏رأسي قليلًا كي أقاسمه النافذة ببصري. بدت المدينة من ‏الأعلى كلوحة فنيّة رسمتها لحظة انفجار ألعاب نارية في ‏ليلٍ كانوني معتم، لتستقر الطائرة على ظهر الغيوم ويسمح ‏طاقمها بفك أحزمة المقاعد، إيذانًا بالحرية والانفكاك من ‏القيد، فأنا على عداوة مع حزام المقعد في الطائرة والسيارة ‏معًا.‏

لم نمضِ وقتًا طويلًا قبل أن يغادر الشاب الآسيوي في ‏نومه، لتبقى شفتاه ترتجّان مع كل استغفار يخرج من ‏الماكينة المركونة في فمه، وأسدل النعاس ستارة ناعمة ‏على وجهي أنا الآخر لأصحو على نداء ربط الأحزمة ‏استعدادًا للهبوط في مطار عمّان الدولي.‏

عدّلتُ المقعد وربطتُ نفسي من جديد، بينما شريط من ‏الأحداث التي تنقر جمجمتي وتبعثر اتزاني تمرّ سريعة؛ ‏الحقيبة، أوراق الصفقة، الصفقة التي سافرتُ من أجلها ‏هل ستتمّ في ظلّ هذه الظروف القاهرة؟ الحجْر الصحي إن ‏كان سيطبَّق فهو بحد ذاته كارثة.. أين سُيحجر علينا؟ ‏حاولتُ أن أعيد ترتيب الأحداث.. وقرّرتُ أن أحاول ‏الإفلات من الحجْر بأيّ ثمن.‏

التفتُّ إلى "محمد"، طالب الشريعة وأصول الدين في ‏جامعة مؤتة، وقلتُ له: "تتحدَّث العربية بجمال".‏

هكذا فتحت مغاليق الحديث معه. وأضفتُ قائلًا: "يبدو أنك ‏علمتَ بالإجراءات التي تُتّخذ في المطارات؟"، فأجابني ‏باقتضاب: "نعم، سنصل بإذن الله، قد يكون هنالك بعض ‏الأزمة، لكننا حتمًا سنصل الليلة إلى بيوتنا إذا أراد الله"، ‏وأتبع إجابته بالاستغفار. سكتنا برهة ثم طافت بي ذكرى ‏اللقاء بالأهل، تمتمت: "إن شاء الله.. هذا إذا لم يُحجَر ‏علينا، فهناك نيّة للحجر على القادمين على اختلاف ‏جنسيّاتهم لمدة أربعة عشر يومًا". قال: "سيرتِّب الله لنا ما ‏يشاء"، واستأنف استغفاره.‏

هبطت الطائرة ووقف الجميع لأخذ أمتعتهم، تذكّرتُ أن لا ‏حقيبة تنتظرني، حمل "محمد" حقيبته الصغيرة على ظهره ‏ووقف خلفي مباشرة، دلف الاستغفار الرتيب يحفر طريقه ‏ليكون مميزًا وسط أصوات الضوضاء التي تغزلها ‏الهمسات والأسئلة ورنّات الرسائل في الهواتف، تتّسع ‏الحفرة تحت طرقات الاستغفار، وكلما ازدادت طرقات ‏الاستغفار ارتجف جدار الصلف الذي يعمي قلبي عن ‏الاستغفار؟؟ نعم، الاستغفار الذي لم أكن أردّده إلّا في ‏لحظة الغضب كردّة فعل.‏

وجدتُ نفسي بعد أن دلفتُ من بطن الطائرة وكأنني أُقذف ‏من بطن حوت يونس عليه السلام إلى شاطئ الحياة من ‏جديد، اصطفّ الجميع في طابور طويل، لماذا خُيّل لي أنّ ‏الناس كخيط نمل على بيدر قمح؟ هل نحن نمل؟ "أستغفر ‏الله، فنحن أصحاب رسالة" قلتُ لنفسي. لكن النمل أُمم ‏أمثالنا، ولها رسالة، لكنها لا تخلّ بموازين الكون، رضيتْ ‏أن تكون سرًّا من أسراره.. أمّا نحن فمن فرط ذكائنا نريد ‏أن نعيد ترتيب الكون على أهوائنا. لا يستوي الكون إلا ‏برغبة واحدة، فكيف إذا كان لكلٍّ منّا رغبة في تشكيله ‏على هواه؟! هذا هو الفرق بين البشر والأمم الأخرى.‏

‏"اقترب دورنا لإجراء الفحص".. هكذا همس "محمد" في ‏أذني ليخرجني من لجّة الصراع الذي يعصف برأسي، ‏وأضاف قائلًا: "ألا تلاحظ أنهم يستخدمون للفحص الأداة ‏نفسها المستخدَمة في المطار الذي قدمنا منه، لكن شكلها ‏مختلف".‏

فجأةً أتى الصوت من بعيد: ‏

‏-‏ الجميع إلى الحجْر الصحّي.‏

ودون مقدّمات وجدتُ نفسي وحيدًا على مقعد ثنائي في ‏باص عسكري أخضر، لكن المفارقة الغريبة التي حدثت ‏معي أنَّ الباص قبل أن ينطلق، توقَّف قليلًا ثم فُتح الباب ‏ليصعد "محمد"، الذي وقف في وسط الباص ثم أدار وجهه ‏الدائري المزنّر بلحية صغيرة، ظلّ يتأمّل المقاعد حتى ‏وجد ضالّته فسار باتجاهي، وجلس إلى جواري دون ‏استئذان.‏

ساد صمت تخلّلته نظرات مغمورة بابتسامة غريبة، استلقى ‏كالقتيل على الكرسي. قلتُ: "يبدو أنَّ قدرنا واحد في هذا ‏الرحلة يا محمد". فردّ قائلًا: "وهل تعتقد أننا نحن مَن ‏يرتب الأقدار يا صديقي؟"، ثم استدار متمتمًا بالاستغفار.‏

بدأت رحلتنا الجديدة، وبدأ الباص يغذّ الخُطى على الطريق ‏المتعرجة باتجاه الغور، كأنه يغور في باطن الأرض، ‏حوتٌ آخر يبتلعنا في جوفه! وكم من المدن ابتلعتها الأرض ‏بخطايا أهلها، فخيالات سدوم وعمورة ما تزال تتراءى ‏على حواف بحيرة لوط، البحر الذي مات من الخطيئة.. ‏تنعكس الشمس على صفحة الماء، فيبدو مغرب الأرض ‏ذهبًا ناصع الصفرة على وجهه الذي يخلو من أيّ شراع أو ‏لثام.‏

وصلنا إلى الفندق المخصص للحجر، تقاطرَ الركاب ‏واستقرّ كل واحد منّا في محجره بعد عناء. الغرفة رقم ‏‏(46) مرةً أخرى، لكن في الطابق الرابع هذه المرّة. أيّ ‏صدفة هذه! ‏

جاءت التعليمات أننا سنبقى في هذا المكان أربعة عشر ‏يومًا. تواصلتُ مع عائلتي وأخبرتهم بما حدث معي.. ‏طريق الألم في هذه الرحلة الشقيّة التي أوصلتنا عنوة إلى ‏قاع الأرض.. تناولتُ فنجانًا من القهوة وخرجتُ إلى ‏الشرفة الصغيرة وأنا أتساءل: كيف سأخرج من هذه ‏الورطة؟! كيف سأخرج من هذا المكان؟!‏

البحر يأخذ لون الزمن، الوقت مساءً حين وقف "محمد" ‏على شرفة غرفته المحاذية تمامًا لغرفتي، لم يشاهدني، ‏فصفحة البحر تعكس أشعة الشمس على وجوهنا، أخبرته ‏بوجودي، فهذه المرة أنا مَن سيحدِّد اللقاء من عدمه، لن ‏أترك للصدفة أيّ فرصة لترتيب ما تريد للالتقاء مع هذا ‏الفتى الذي بدا غريبًا في طقوسه. أضاء وجهه عندما رآني ‏في جواره، استرق لحظة من خيط الاستغفار غير المنتهي ‏ليردّ تحيتي. ‏

في اليوم التالي أحسستُ أنَّ الزمن لا يتحرّك، وأنّ هذا ‏العالم الأمّي الذي لا يتقن حروف الحياة قد دخل عنوةً في ‏حرب عالمية ثالثة؛ جيوش من نمط جديد، وأسلحة مختلفة، ‏وعدو غير مرئي، وإعلام هائج يهذي دون معرفة.. البحر ‏أيضًا بدا من الشرفة برزخًا يلبس ثوبه الأبيض الملائكي ‏المطرّز بالأمواج ذات الأصوات الأكثر هدوءًا من صوت ‏الفتى الآسيوي، وكأنها تستغفر، تعلن التوبة، أو هي ‏أصوات الخطّائين من أهل المدن التي غارت في قاع ‏الملح.. لا أعرف، اختلطت الأشياء، ووصلت إلى مرحلة ‏من اليأس، خاصة وأنَّ أعمالي تعطّلت، وما زلتُ غير ‏متيقِّن من نجاح أمر الشحنة ومرورها.. لا أعرف عن ‏أولادي شيئًا في هذا الظرف العصيب الذي يضرب العالم ‏كلّه، بينما يبدو الآخرون أكثر فرحًا بهذا الحجْر الذي أعاد ‏فيه الناس ترتيب أولويّاتهم. هل هو الخوف؟! أم هي الخلوة ‏مع الذات أحيانًا؟! لا أعرف!‏

طُرق باب الغرفة، أدرتُ المقبض بهدوء لأجد فريق ‏الفحص الطبي أمامي.. أسئلة ذكّرتني بأسئلة القبر الأولى! ‏ضحكتُ ضحكة صفراء سرعان ما تحوَّلَت إلى خوف. ‏بادرني الطبيب الواقف عند باب غرفتي بالقول: "الفحص ‏مجاني، والإجراء روتيني كي نتأكد من سلامتك".‏

ظهرت النتائج في اليوم الثاني إيجابية، وهذا يعني أني ‏مصاب بالعدوى، ما الذي يحدث؟! لماذا شعرتُ كأنني إناء ‏زجاجي تهشَّم مرّة واحدة ولا يمكن أن يعود إلى حاله؟! ‏رنّ جرس الهاتف، فضحكتُ ضحكة مؤلمة عندما رأيتُ ‏كلمة "حبيبتي" تهتزّ على شاشته، وفاضت دمعة من عيني. ‏لم أفتح الخط. بعد دقائق عاودَتْ الاتصالَ مرّة أخرى.. ‏‏"حبيبتي".. تساءلتُ بغصّة: "يا ترى هل سأراها أم لا؟!". ‏قرَّرتُ أن لا أردّ. حملتُ فنجان القهوة الباردة وخرجتُ إلى ‏الشرفة.. "محمد" مرّة أخرى وأخرى، يستغفر دون توقُّف، ‏أرسلتُ له التحية على مضض، فسألني بعد أن ردّ بأحسن ‏منها: "كنتُ أبحث عنك في الصباح. لقد فحصوني، وغدًا ‏تظهر النتيجة".‏

كان صوته كأزيز نحلة في شجرة كثيفة، أشحتُ بوجهي ‏عنه إلى الفضاء العاري، كانت الحياة تغادر بصمت، ‏والستائر المعلّقة على رؤوس الجبال تنسدل على وجه ‏الأرض ببطء مؤذنة بالغياب، وبدأت أمواج البحر الذي ‏يتباهى بالموت تترنّح قبل أن تصل إلى الشاطئ فتنكسر ‏بهدوء وهي تلثم حواف الملح.. اليأس يتسلّل دفعة واحدة، ‏والدمعة التي أسدلت غشاوة غريبة على عيني جعلت العالم ‏كلّه خلف جدار زجاجي في ليل كانوني كئيب.‏

بحثتُ عن شيء يُخرجني من هذا الصمت ومن عزلتي ‏القاتلة.. القنوات الفضائية البائسة تقذفني بأخبار سخيفة، ‏‏"مونودراما"، "ميتاتياترو"، العالم شخص ثقيل الحركة يئنّ ‏من وطأة الوجع على خشبة الحياة، وأنا شخص قميء لا ‏عنوان يعرفني، بدأتُ أنفخ أنفاسي على الزجاج وأصفّر ‏الموسيقى من شفتي، فتحتُ صفحة الحياة الغارقة بالضباب ‏وكتبتُ عليها المثل الشعبي الدارج في بلاد العرب "كَبْرَة ‏على خازوق".. أشعلت الأضواء إيذانًا بنهاية العرض، ‏صفّقتُ وحدي، نعم وحدي!‏

تعبتُ من هذا الروتين القاتل، حياة نمطية بائسة بين الغرفة ‏والشرفة، أعود إلى الشرفة، أفتح جهاز الهاتف وأتصفّح ‏خزعبلات الحياة، أخبارنا في مهاجع الحجز، فريق ينتقد ‏وآخر يمدح، لا أحد يعرف تمامًا ما يدور في حجراتنا ‏المغلقة، نحن تمامًا كفئران التجارب، نضحك على ‏الشاشات ونتلوّى خلفها، نتلوّى لوعةً وغيابًا.. كل غرفة ‏يتقاسمها الفرح والألم، الخوف والرجاء، الأمل واليأس.. ‏عقارب الوقت تنهض ببطء وكأنها سيقان سلحفاة. أردتُ ‏أن أقتل الوقت اللزج بقراءة أشياء كنت أسمع عنها ولا ‏أرغب بقراءتها.. اشتريتُ رواية "عيون الظلام" لدين ‏كونتز (أون لاين).. هرشتُ رأسي حين وقعت عيناي على ‏‏"ووهان 400".. لم أكمل الرواية، فقد كانت فكرتها ‏ساذجة ومكرورة، وبدا العالم أكثر وضوحًا منها.. سيطر ‏على تفكيري أنها بُنيت على نظرية المؤامرة التي كانت ‏تشتعل وقت كتابتها، لم أجد فيها ما يشبع نهمي في التعرُّف ‏على العدوّ الذي يقف خلف الشبابيك، أو يتقلّب أسفل ‏السرير، أو يراقبني أسفل المرآة ضاحكًا، أو يجلس على ‏صفحة الهاتف يزدريني وأنا أتتبّع أخباره.. تركتُها ‏وحاولت أن أستمع لأنين الحرافيش وهم يزفّون جثث ‏‏"الشوطة" في "القرافة"، استمعت لشيخ الحارة "عم ‏حميدو" وهو ينادي بأهل الحي: "اسمعوا كلمة الحكومة، ‏تجنّبوا الزحام.. النظافة.. اشربوا عصير الليمون ‏والبصل.. ظلّ الموت ممتد فوق الرؤوس، تذكّروا ربكم ‏وارضوا بقضائه".. "تذكّروا ربكم وارضوا بقضائه"، ‏كرَّرتها أكثر من مرّة، قفزتُ كالملسوع، خرجتُ إلى ‏الشرفة الصغيرة التي تشبه القبر، أردتُ أن أرى ‏الآسيويَّ.. لم أجده.. منذ الصباح لم أرَه.. ماذا أصابه؟! ‏هل غادر الغرفة؟! هل أصيب بالمرض اللعين فأخذوه؟! ‏تساءلتُ بخوف، فقد كنتُ محتاجًا إليه.. هل يملك أن ‏يقودني إلى الخلاص؟! لا أعرف.‏

في اليوم التالي أنهيت فيلم "كونتيجن"، ازددتُ رعبًا، ثم ‏أدرتُ القناة إلى قناة أخرى، استمعتُ عنوةً إلى الناطق ‏الرسمي للحكومة الذي أنهى حديثه بعبارة "حمى الله ‏الإنسانية من هذا الوباء"، صرتُ أتفقّد أرض الغرفة بحثًا ‏عن الإنسانية التي يدعو لها بالحماية.. وفي اليوم التالي ‏خرجتُ باكرًا كي أرى الآسيوي، وفور أن رأيته خُيّل لي ‏أنّ وميضًا يلمع في عيني هذا الرجل لحظةَ سدّد لي نظرة ‏اخترقتني عميقًا وهو يقول: "لماذا تحمل كل هذا الهمّ؟".‏

ثم استغفر قبل أن يضيف: "سيجعل الله لك من كل ‏ضيق مخرجًا، ومن كل عسر يسرًا، فقط داوم الاستغفار، ‏ألم يُلزم الله نفسه أنه إذا داوم عبده على الاستغفار أن ‏يعطيه ما يريد؟ وهل بقي لك حجّة لترك ذلك؟".‏

قلت باندهاش: "وكيف ذلك يا صديقي؟". ‏

نادى بصوت مبحوح نديّ انغرس في خاصرة قلبي بألم ‏عجيب: "ألم تسمع الآيات التي تقول: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ‏إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا(11) ‏وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ ‏أَنْهَارًا(12)}".‏

فقلت له: "لقد قرأتُ القرآن عشرات المرّات يا صديقي، ‏وكأنني أسمع هذه الآيات للمرة الأولى في حياتي"، ‏وأضفتُ بانشداه: "أعدها يا محمد"، فأعادها على مسامعي ‏من جديد، ثم قال: "داوم على الاستغفار يا صديقي، ‏وسترى كيف تفتح في وجهك مغاليق الأبواب وخزائن ‏السماء، وكيف سينشرح صدرك وتعلو همتك". وأضاف: ‏‏"ألم تسمع قول رسول الله عليه السلام: (طُوبَى لِمَنْ وَجَدَ ‏فِي صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفَارًا كَثِيرًا)؟ فلا تبخل على نفسك".‏

تركته مسرعًا دونما استئذان ودخلت إلى غرفتي، اتصلت ‏بزوجتي وأخبرتها بكل جَلَد وقوة عن خبر الاشتباه ‏بإصابتي بمرض "الكورونا" الذي أخفيته عنها، وأنَّ ‏الطبيب قد طمأنني بأنني سأتعافى إذا التزمت بفترة الحجْر ‏واتَّبعت التعليمات، وهذا ما يتقرر بعد نتائج الفحص الثاني. ‏لم تستطع أن تخفي صوت بكائها، لكنني لم أتورّع في أن ‏أطلب منها أن تستغفر الله في كل لحظة، فأنا منذ الآن ‏سأبدأ بالاستغفار.‏

ابتسمتُ عندما سمعت الشاب "محمد" يقول لي إنّه يرى في ‏هذا الحجر فرصة منحها الله له لكي يُنهي بحث تخرُّجه، ‏وإنَّ تأجيل الدوام في الجامعة كان أمنية لم يتخيّل أن ‏تتحقّق، فهذه الفسحة في الزمان والمكان معًا لم تكن ستُتاح ‏لولا هذا الحجْر. أدركتُ حينها معنى "إنَّ الله يرزق مَن ‏يشاء بغير حساب".‏

داومتُ على الاستغفار، وأعدتُ ترتيب أولوياتي لتكون ‏مرضاة الله في صدارتها، ونسيتُ كل شيء.. مرَّت الأيام ‏بهدوء، وامتلأت حياتي بالقرآن والاستغفار، وما إن انتهى ‏الأسبوع الأول من فترة الحجر حتى قُرع صوت الهاتف ‏ليخبرني موظف المطار أنَّ حقيبتي قد أصبحت في أمانات ‏المطار، وبعدها بيومين تلقيت أخبارًا سارّة عن وصول ‏الشحنة التي سافرتُ من أجلها والتخليص عليها وأنّ ‏فحوصاتها المخبريّة قد مرّت بسلام.. ولكن الفرحة بذلك ‏لم تشغلني عن قراءة القرآن والاستغفار دون كلل أو ملل.‏

في مساء اليوم الثامن من أيام الحجْر، قلّبتُ القرآن وجلستُ ‏أتأمل ما جرى معي، وخرجتُ أنتظر الفتى الآسيوي، أريد ‏أن أتحدث إليه، لأسمع منه صفو الحديث المغلّف ‏بالاستغفار، فرأيتُه يجلس ويواصل استغفاره.. عاجلته ‏بالتحية، فوقف ونظر إليّ مبتسمًا وهو يقول بهدوء ‏وانشراح: "ما شاء الله، لم أرَ وجهكَ جميلًا متهللًا كما ‏رأيته الآن، ماذا تعمل؟ وهل تعافيت ممّا أنت فيه؟".‏

نظرتُ إليه بمحبّة لم أشعر بها من قبل، محبّة يغلفها شيء ‏آخر لا علاقة له بالمشاعر التي مررت بها قبل ذلك. وقلتُ ‏له: "لقد أحسنتَ إليّ إحسانًا لن أنساه.. لقد زرعتَ بذار ‏الاستغفار في قلبي فنبتت على شفتي أغصان تثمر كل ‏يوم، وها أنا أتلقّى بفضل الله ورضوانه أخبارًا تسرّ ‏الخاطر.. وجدتُ حقيبتي، واليوم جاءني خبر أفرح قلبي ‏بإتمام إجراءات بضاعتي ووصولها سالمة".‏

قاطعني قائلًا: "وغدًا ستسمع الأخبار الطيبة بإذن الله، فقط ‏لازم الاستغفار وسترى أنّ الله غفور رحيم، فهو الذي قال ‏‏-ومَن أصدق منه قولًا-: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ‏ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} (النساء: 110)". ‏

في اليوم العاشر من أيام الحجر، طُرق الباب، وإذا بفريق ‏من الأطباء والممرضين يقفون على بعد مترين من الباب، ‏وعلى الرغم من ارتجاف قلبي وشعوري بأنها النهاية ‏وبأنهم جاءوا لنقلي إلى المستشفى لتلقّي العلاج، إلّا أنني ‏تمالكتُ نفسي. وسرعان ما بادرني أحدهم بالسؤال: "أنتَ ‏حسين؟!"، فأجبتُه بعد طول تأمُّل وانتظار وخوف: "نعم.. ‏أنا حسين". فقال: "يا حسين، نبشِّرك بأنَّ نتيجة الفحص ‏النهائي سلبيّة.. لستَ حاملًا للفيروس.. لكنكَ ستبقى هنا ‏حتى إنهاء فترة الحجْر، وستبقى في بيتك مدة أخرى ‏سنُعلمك بها عندما تخرج".‏

هوت قدماي إلى الأرض، وضعتُ رأسي بين كفي، حاول ‏أحد الممرضين أن يمسكني، لكنني رفعتُ يدي بوجهه ‏ليتركني، وقد عرف الجميع حينها أنني بخير وأنَّ ما حدث ‏لي هو فرحة استقبالي للخبر، فأغلقوا الباب خلفهم ‏وتركوني، وما إن تمالكتُ نفسي وأعصابي حتى خرجتُ ‏أبحث عن "محمد"، الذي وجدته يجلس في عين الشمس، ‏ويستغفر كعادته فقلت له: "انتهى كل شيء يا صديقي"، ‏فقال لي بلغة الواثق: "لا، لم ينته كل شيء، ما نزال في ‏البداية، فالذي جعل حلمي يتحقق ومأساتك تنتهي هو وعد ‏الله لنا، الوعد الذي ننساه نحن، الوعد بأن نكون في زمرة ‏المستغفرين، لنكون في زمرة الفائزين، فإياك أن تقول: ‏‏(انتهى كل شيء).. مَن هو الذي تنتهي حاجته عند الله؟ ‏نحن ما نزال في أول الطريق يا صديقي، وما عليك إلا أن ‏تستغفر الله وأن تبقي لسانك رطبًا بذكره جلّت قدرته".‏

وبينما هو يتحدث باطمئنان تلقيتُ رسالة (واتس اب) ‏تشرح آلية نقل المحجور عليهم إلى بيوتهم، وأنهم سيبدأون ‏تطبيقها منذ صباح يوم غد وعلى دفعات.. عدتُ إلى ‏غرفتي، وأمسكتُ ورقة وكتبتُ عليها "أستغفر الله"، تأمّلتُ ‏الحروف، واكتشفتُ حينها سرّ الرقم (46) الذي لازمني.. ‏

 

انتهت

 

أ س ت غ ف ر ا ل ل ه