صورةُ المرأة في "نساء على المفارق"

 

د. دلال عنبتاوي

أديبة وناقدة أردنية

 

مقدمة: 

هذا الكتابُ الذي بين أيدينا هو حكاياتٌ لنساءٍ صادفتهن الكاتبة، في طريق الحياة، وهو في الحقيقة عصيٌّ على التصنيف، فهو ليس برواية ولا يحفل بتقنيات القصة القصيرة كاملةً، فهو عبارة عن مجموعة من الحكايات والقصص واللقاءات التي عاشتها الكاتبةُ وعايشتها مع مجموعة من النساء، خلال جولاتِ سفرها ومهام أعمالها التي كانت تقومُ بها؛ إلّا أنّه من الملاحظ أنَّ كل ما يلظم تلك الحكايات بخيط واحد هو؛ أنَّ بطلات تلك الحكايات كنَّ نساء جمعتها بهنّ المفارق والطرق، ولقد التقطت الكاتبةُ بمنتهى الذكاء والفطنة صور تلك النساء وعبّرت عنها بمنتهى الشفافية، فسلطت الضوء على تلك الصور والحكايات ووضعتها تحت المِجهر.

هؤلاء النساء جميعهن يعشن بيننا، حاضرات بقوة، ولقد قامت الكاتبة برسم صورهن بصورة دقيقة، تعبر عن ملامحهن الخارجية تارةً، وتغوصُ بعمق في أعماق دواخلهن تارةً أخرى. 

كيف تمثّلت صور النساء في " نساء على المفارق "؟ 

أولًا: العنوان

إنَّ العنوانَ هو مدخلٌ أساسيٌّ لعالم النصِّ، يـُفضي إلى غياهب، ويـقود إلى فكّ الكثير من طلاسمه وألغازه، لكنّه أحيانًا، قد يلعب دورًا تمويهيًّا، إذ يجعل القارئ في حيرة من أمره، يربكه وقد يخلق له تشويشًا، والعنوانُ عادةً ما يطرح بدوره، الكثيرَ من الأسئلة، لأنَّه عتبةٌ مهمة لا يمكن تجاوزها، فهو واجهة النص وهُويته، وتزداد أهميةُ هذا العنوان من خلال قراءة النصّ، وذلك لأنَّ القارئ يتوجّه إلى النصّ وقد علقت في ذهنه إيحاءاتُ العنوان ورموزه، والعنوان هنا من العناوين المصاغة بطريقة جمالية خاصةً " نساء على المفارق ". 

يُحيل عنوانُ هذه الرواية إلى المرأة، كما يحيل إلى المكان الذي يعادل بدوره المرأة، وقد شكّلا معًا -بعد توحدهما- إشارةً كبيرةً تترك القارئ أمام تأويلات كثيرة للنصّ، المرأة هذا الاسم المجرد الذي يختزل النساء في الأزمنة كلّها والبلدان كلّها، المرأة هنا هي محلٌّ لأفكارٍ وتصوّراتٍ راسخة.

لم تحضر المرأة في هذا العمل كظلٍّ باهت، أو كثيمة في الكتابة، بل حضرت باعتبارها موضوعًا وركنًا رئيسًا في التخييل، فحضرت كموضوع أساسيّ وديناميكيّ لتشكيل فضاء هذا العمل الإبداعيّ. 

 

ثانيًا: العناوينُ الفرعيّة 

جاءت العناوينُ الفرعيّةُ في هذا العمل متسقةً ومستقلةً بذاتها، تشكّل مدخلًا لمتن العمل، بلغ عددها سبعة عناوين، مركبة بدورها من خلال جملة طويلة ذات معانٍ لا يمكن فصلها عن سياق العنوان الكبير، أو النصّ ذاته، إذ أنَّ فصلَها يُحدث خلخلةً كبيرةً ويفتت أجزاء العمل، وقد عمدت الكاتبةُ إلى وضع المتلقي أمام هذه العناوين ليشعر بها وهي تحمل دلالاتٍ عدة، تتقارب مع أن تكون قصص قصيرة لنساء نعرفهن، وقد جاءت على التوالي: (الماسة السوداء / قالت ربي وسكت الرجال / ابنة السماء / عزة يتيمة الرباط / راكبة من الدرجة الأولى/ امرأة من المنطقة الحمراء/ قتيلة الشرف، لا اسم ولا عنوان)، وكلها عناوين ترتبط بالمرأة والنساء وتعود إليهن. 

إنَّ المتأملَ لهذه العناوين الفرعيّة، يلاحظ أنَّ هناك خيوطًا سحريّة تربط فيما بينها وبين العنوان الرئيس، وأنَّها تعكس صورًا للمرأة وتحيل إليها. 

الصورة:

تحمل الصورة في تعريفها ودلالاتها المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، ففي المعنى اللغوي نجدها كما يقول لسان العرب: "ترد في كلام العرب على ظاهرها، وعلى معنى حقيقة الشيء وهيئته، وعلى معنى صفته والصورة: الميل..."، ووردت في مختار الصحاح: "صورة تصويرا فتصور، وتصورت الشيء توهمت صورته فتصور لي، والتصاوير: التماثيل"

ونلاحظ هنا بأنَّ المعنى اللغوي للصورة يقف عند حدود التجسيد، أي هيئة الشيء وظاهره. 

في الحقيقة إنَّ خطورة (الصورة) لا تكمن في تنوّع تشكيلها اللغوي، وإنّما في تعدد مستويات دلالاتها، وذلك لقدرة الصورة الفائقة بل المذهلة، على تجسيد وتمثيل (المـرئي - الواقعي) و(الخيالي) أيضًا، ويكاد يتركز كلّ ذلك في قدرتها الفائقة على التجسيد. 

 

تمثّلات صورة المرأة بهذا الكتاب:

تشكّلُ الصورةُ عادةً في العمل الإبداعي انعكاسًا لفكر المبدع/ والمبدعة، ويتمُّ التعبيرُ عن تلك الصورة عن طريق اللغة، وتكون تلك الصورة في أغلبها متعلقة بالحالة السيكولوجيّة وتمثّلاتها للمجتمع، فالصورة في مفهومها العام تمثيل للواقع المرئي الذهني…، أو إدراك مباشر للعالم الخارجي الموضوعي تجسيدًا أو حسًّا أو رؤيةً للكشف عن حقيقة هذه الصورة… ومن هنا نرى أن كل تحديد صارم للصورة في أيّ عملٍ إبداعي، لا يمكن تحققه إلا بالكشف عن مجموعة الطرائق التي يمارسها الوعيُّ عند المبدع، لتوضيح الصورة ورسمها من خلال العناصر الجماليّة التي يبدعها المبدع. 

لقد ظلّت صورة المرأة تراوح بين نموذجين أصليين في الثقافة السائدة، صورة المرأة المثالية الخَلق والخُلق، التي هي رمز الطهر والنقاء، فصُوّرت -مثلًا- عاشقةً بريئة، وظلت تتعالق في كثير من الأحيان مع صورة الأم المثاليّة، أو تتسامى لتصبح رمزًا للوطن، وظهرت صورة المرأة الجسد، الذي هو رمز الإغواء والشهوة والخطيئة والشر في الوقت ذاته، وظهرت صورٌ أخرى كثيرة، ولعلَّ أهمّها صورة المرأة المضطهدة " المقهورة. 

وفي كتاب "نساء على المفارق" نلحظ أنَّ المرأة أخذت دورَ البطولة منذ العنوان، وقد ركّزت الكاتبة على المرأة و"النساء" من خلال الكشف عن صورٍ عديدةٍ ومتباينة، وقد ركّزت هذه الدراسةُ على ثلاثٍ منها باعتبارها تعلن بوضوح عن نفسها، وتعكس قضايا المرأة وصوّرها؛ وهي: 

صورة المرأة الإيجابية " المثالية " / صورة المرأة السلبية " غير المثالية " / صورة المرأة المضطهدة " المقهورة ". 

أولًا: صورةُ المرأة الإيجابية "المثالية"

تطالعنا صورة المرأة المثالية في هذا الكتاب من خلال شخصية "مريم عبد الدايم" التي تصف الكاتبة ملامحها الخارجية بمنتهى الدقة والوصف، فتحكي عنها قائلةً في فصل " الماسة السوداء ": " مريم طفلة امتزاج العرق واللون وتعدد الديانات،... مريم تركيبة فريدة من الاعتدال وقبول الآخر.. " في الحقيقة يمكننا تلمّس هذه المثاليّة من خلال مجموع التمظهرات الجوهريّة، التي أسقطتها الروائيّة على البطلة " مريم "، وتتجلى صورة المثالية تلك في مريم من خلال حديثها عنها قائلة: "تحدثني مريم بينما نشرب القهوة في مقاهي وسط المدينة.. ودودة صادقة مندفعة وبريئة، ممشوقة القوام كغزالٍ إفريقيٍّ هاربٍ في توجّسٍ مما حوله..." 

وتتبلور تلك المثالية حين تبدو مريم حريصةً، خائفةً من كلِّ شيء حولها لئلا تقع في الخطأ، الذي قد يدفعها إلى دفع الثمن الباهض الذي تخافه بشدّة، تقولُ عنها: " ويمنعها خوفها منه أن تترك قلبها الشاب يخفق لأحد، فتغلقه دون نبض، كثيرًا ما يبدأ فتشدّه، وتصمّ أذنيها دون همسات الإعجاب... شابة جميلة وحائرة بين أن تقتنع بأنّ حريّتها أمرٌ شخصيٌّ محض، و..." 

مريم المثالية تتبلور صورتها الإيجابية أكثر فأكثر، حين تدخل الكاتبة إلى أعماقها باحثة عمّا يخيفها ويقلقها تقول الكاتبة: "تخيف مريم فكرة الحب والزواج.. تخشى أن تعشق في "بتسبرغ"، وتقلقها فكرة الفشل..."

 وتمعن الكاتبة في رسم الصورة المثالية الإيجابية لمريم حين تقول عنها: " مريم تحب صديقاتها الأمريكيات، ومعجبة بثقتهن بأنفسهن، ودودات ومجدات في الحياة والعلم،.. تصارع مريم تناقض الثقافتين بينما تعيش مرحلة تشكل الوعي وانتهال العلم في بتسبرغ ". لقد رسمت الكاتبة الصورة الإيجابية القريبة للمثالية لمريم في كثير من الأحيان. وقد حرصت على كشف ملامح تلك الصورة من خلال الحديث الغارق في الحب والمودة، تقول عنها: " مريم خائفة من العودة إلى الكاميرون، ومن والدها، وما تسمعه عن عذاب المخطئين في نار ذات لهب يصلون فيها... مريم دائمة الخوف من فقدان صديقة طفولتها وزميلة صباها. " 

ثانيًا: صورةُ المرأة السلبيّة 

 وعلى العكس من هذه الصورة التي جسّدتها مريم هنا، تحضر صورة المرأة السلبيّة التي ترى الواقع من عين واحدة، وقد ظهرت صورة المرأة السلبيّة متمثلة في شخصية وشخصيات مختلفة تمامًا عن شخصية مريم، وكأنَّ الكاتبة أرادت أن تكشف عن واقع آخر، واقع الفساد وتردّي الأخلاق، وغياب الضمير، وعن صورة أخرى للنساء والمرأة، لقد ركّزت الكاتبة في الفصل المعنون ب " امرأة من المنطقة الحمراء " على نماذج لنساء سلبيّات جدًّا فتقول: "لا شيء يمتهن كرامة المرأة وإنسانيتها كالمتاجرة بجسدها، واعتباره سلعةً تبيعه لمن يرغب، ولن أنسى ما رأيته في أوسلو، ثلاث مومسات يتسابقن إلى سيارة رجل توقفت في شارع المنطقة الحمراء، كلٌّ تحدثه من نافذة، يساومنه حتى ظفرت به واحدة، فقفزت إلى جانبه سعيدةً، وتفرقت الأخريات في انتظار صيد آخر يقذفه الطريق". في هذا الفصل تحديدًا تحدثت الكاتبة عن أكثر من نموذج لسلبيّة المرأة وظلمها لذاتها بعد أن ظلمها المجتمع والواقع الذي تعيش فيه؛ فظهرت المرأة السيئة والسلبيّة جدّا، وتمعن الكاتبة في مكان آخر بالحديث عن تلك السلبيّة قائلة: "ويبقى ما رأيته في المنطقة الحمراء " دي ولين " في أمستردام أشد مناظر الجنس قتامةً وامتهانًا، تعرض الفتيات بضاعتهن الجسديّة عاريات أو بورقة التوت في واجهات زجاجية صغيرة، فيفاوض الزبون من يختار مباشرةً وأمام المارة فتختفي معه في الداخل، أو عبر القوّاد الخاص بها، أو مكتب استعلامات يعرض أرقامَ المومس ومواصفاتها والسعر والمدة والمسموح والممنوع. كابينات صغيرة يعرض فيها اللحم الرخيص في ثياب داخلية باهضة الثمن، ولكنّها عدة الشغل ". في هذا الفصل تحديدًا ركّزت الكاتبةُ على صورة المرأة السلبيّة من خلال تركيزها على الجسد، وكأنَّ فكرةَ التحرر السلبيّة تأتي عبر الجسد، دون الاهتمام بالذات الأنثويّة وما تحمله من مشاعر راقية ذات بعد إنسانيّ. 

ثالثًا: صورةُ المرأة المضطهدة "المقهورة". 

تتجسد ملامحُ هذه الصورة في هذا الكتاب من خلال مجموعةٍ من الشخصيات، ورغم اختلاف كلّ حالة عن أخرى؛ إلّا أن السبب وراء هذا الوضع الذي وصلت إليه كلّ واحدة منهن هو الرجل والمجتمع الذي يحملها مسؤلية الخطأ وحدها. وقد حاولت الكاتبة أن ترصدَ لنا مجموع الاضطهادات التي تعاني منها المرأة داخل هذا المجتمع الذكوريّ الذي يبخس من قيمتها، ويسعى إلى طمس هُويتها بكل الوسائل الممكنة؛ ففي الفصل الأخير وتحت عنوان " قتيلة الشرف... لا اسم ولا عنوان " تقول ومن السطر الأول: "لا أعرف اسمها ولكن منظرها رافق ذاكرتي واحتلها ليالي طويلة. كانت المرة الأولى التي رأيت فيها قتيلًا حقيقيًّا يلفظ الروح ".. وتكمل في مكان آخر قائلة: "على الأرض وفي عرض الطريق امرأة في منتصف الثلاثينات ترتدي "تاييرا" أزرق بلون السماء، وقعت على جانبها الأيسر وتتضرج بدماء نزفتها، ذراعها اليسرى ممدودة على الأرض، واليمنى تقبض على قلبها، تتناوب عليها خلجات الاحتضار؛ فيهتز جسدها مع كل نوبة، وحدها في الطريق بين بيتين صغيرين". وتتبع الكاتبة حكاية هذه المرأة التي كان نصيبها الموت لأنَّها تمردت على أعراف مجتمعها قائلة: "اهتزت مدينة صغيرة بقصة امرأة ضالة شابة وجميلة، وحين تكون الواقعة في مدينة صغيرة يعرف كلّ الناس بعضهم، يجمح الخيال بقصص وشطحات الجنس والكبت والحرمان. " لقد دفعت هذه المرأة ثمن تمردها على واقعها ومجتمعها حياتها، وهناك نماذج أخرى أوردت الكاتبة صورهن بمنتهى الدقة والشفافية لتعبر عن مدى الظلم والقهر الذي تعرضن له، وذلك في الفصول التي تحمل عنوان "عزة يتيمة الرباط" و"امرأة من المنطقة الحمراء".

إنَّ هذه الحكايات هنا كانت صورًا ومرآةً للواقع، وما يعتريه من فسادٍ وظلمٍ للمرأة، وقد تداخلت في هذه الصور والقصص والحكايات مواضيع مختلفة ومتنوعة، أعطت صورًا حقيقيّة لنساء وقفن، وكثيرات ما زلن يقفن على المفارق.