الفنان عمر أنسي ‏ في مرحلته الأردنيّة

هاني حوراني

رسام وباحث في الفنون البصرية

 

 

 

استقبَلَ الأردن في العقود الأولى لنشأته عددًا من الفنّانين العرب والأجانب الذين أقاموا فيه ‏لفترات طويلة نسبيًّا. وخلال إقامتهم هذه خلفوا وراءهم رسومات ولوحات فنيّة توثِّق مَشاهد من ‏طبيعة البلاد ووجوه مجتمعها. ومن المؤسف أنَّ الذين تصدّوا لمهمة كتابة تاريخ المشهد التشكيلي ‏الأردني، اكتفوا بالإشارة المقتضبة إلى هؤلاء الفنانين، ولذلك فقد ظلّت المعلومات القليلة ‏المُتداولة حولهم تتكرَّر في مختلف المراجع والمؤلّفات التي رصدت تطوُّر الحركة التشكيليّة ‏الأردنيّة، دونما تحديث أو إضافة. ‏

 

توطئة

تتوقَّف المقالة التالية عند الفنان اللبناني عمر الأنسي الذي قدم إلى الأردن، وهو يافعٌ، في العام ‏‏1922، أي في العام التالي لقيام أوَّل حكومة أردنيّة (11 نيسان 1921)، وقد أقام في عمّان ‏مدة خمس سنوات، حتى غادرها عام 1927 للالتحاق بأحد المعاهد الأكاديمية الفرنسية. ‏

ومن المرجو أن أردف هذه المقالة بأخرى، أو أكثر، عن فنانين آخرين، من بينهم الفنان التركي ‏ضياء الدين سليمان، الذي قدم إلى الأردن في العام 1930، وعاش ورسم وأقام معارض مبكرة ‏له قبل أن يتوفي في عام 1954. فنان تركي آخر أقام في الأردن لردح طويل من عمره، هو ‏الأمير عمر فوزي أفندي، حفيد آخر السلاطين العثمانيين، محمد رشاد. وقد انتقل من الإقامة في ‏مصر وفرنسا، حيث درس، إلى الأردن ليلتحق بشقيقته المتزوجة من سمو الأمير نايف، وقد ‏توفي في عمّان في 24 نيسان 1986، دون أن يعرف أحد عن نشاطه كرسّام، ربّما باستثناء ‏محيطه العائلي وأصدقائه. ‏

اعتبارًا من عقد الخمسينات سوف تتعرَّف عمّان على "جورج ألييف" (1887- 1918) الذي ‏كان ضابطًا في الجيش الروسي حتى ثورة أكتوبر البلشفية عام 1917، حيث التحق بالجيش ‏الأبيض (القيصري)، قبل أن يرحل إلى إسطنبول، وفي عشرينات القرن الماضي تحوَّل "ألييف" ‏إلى رسام محترف، ثم انتقل بعدها إلى فلسطين. ومع النكبة الفلسطينية، انتقل "ألييف" إلى عمّان، ‏حيث افتتح استوديو له في جبل عمّان، وتتلمذ عليه جيل من الفنانين الأردنيين الأوائل. وفي العام ‏‏1967 وبعد وفاة زوجته انتقل للعيش مع ابنته في بيروت حيث توفي هناك عام 1970.‏

وإلى جانب "جورج ألييف" سوف تستقبل عمّان فنانين أجانب آخرين، أبرزهم، أو أكثرهم شهرة، ‏هو عازف البيانو والرسام الإيطالي "أرماندو برون" الذي عمل مع "معهد الموسيقى والرّسم" ‏الذي تأسس عام 1952، وعلى الرّغم من أنه كان قد علَّم نفسه بنفسه أصول الرّسم، إلا أنه ‏درَّس عددًا من الفنانين والفنانات الذي شغلوا فيما بعد الساحة الفنية بمعارضهم. ومن سيرة مهنا ‏الدرة، كما كتبها بنفسه، نتعرَّف على اسم فنان هولندي كان يقيم ويعمل كرسّام في عمّان ‏الخمسينات، وهو "وليم هالوين"، والذي كان له دورٌ في تعريف مهنا الدرة على أعمال الفنان ‏الهولندي الكبير "رامبرنت". لكن لم أجد أية معلومات أخرى عنه.‏

إذن، هذه مقالة أولى في إطار التعريف بفنانين عرفهم الأردن في عقوده المبكرة، كان لبعضهم ‏أثرٌ واضحٌ في تدريب الجيل الأوّل من رسّامي الأردن على أصول الرَّسم، فيما لم يترك بعضهم ‏الآخر مثل هذا الأثر، لا لشيء سوى أنَّ المرحلة التاريخيّة المعنيّة، لا سيّما في العشرينات ‏والثلاثينات من القرن الماضي لم توفِّر "حاضنة اجتماعية أو ثقافية"، للاستفادة من هؤلاء ‏الفنانين العرب أو الأجانب في تعليم أبناء البلد على مهارات الرَّسم واكتساب الثقافة الفنيّة ‏التشكيليّة.‏

 

عمر الأنسي ‏

الشاب الحائر ما بين الطِّب والرَّسم

كان عمر الأنسي (1901- 1969) أوَّل فنان تشكيلي عربي يعرفه الأردن في السنوات الأولى ‏لنشأته ككيان سياسي. فقد قدم من بيروت في العام 1922 لزيارة ابن عمِّه محمد الأنسي ‏‏(1880- 1951)، الذي كان يعمل رئيسًا لديوان الأمير عبدالله بن الحسين. لكن هذه الزيارة لم ‏تلبث أن تحوَّلت إلى إقامة طويلة استمرَّت لنحو خمس سنوات في عمّان، عمل خلالها مدرِّسًا ‏للغة الإنجليزية لابنَيْ الأمير عبدالله، طلال ونايف(1). ‏

وُلد عمر في بيروت، حيّ الزيدانية، لأسرة بيروتية عريقة ومثقفة. أمه السيدة عتيقة سلام "التي ‏تنتمي إلى إحدى العائلات المدينية الصاعدة"، ووالده عبدالرحمن الأنسي كان طبيبًا، يمارس ‏الرسم المائي كهواية، وكان يملك صيدلية "تضمن مدخولًا مريحًا للعائلة"(2). التحق عمر بالكلية ‏البروتستانتية السورية (الجامعة الأميركية لاحقًا) لدراسة الطب، غالبًا تحت تأثير والده ورغبته ‏في ضمان حياة مريحة لابنه. لكنَّ الأب الطبيب- الرسّام، نقل إلى ابنه أسرار الرَّسم بالألوان ‏المائيّة عندما أهداه أوَّل علبة ألوان مائيّة(3). ‏

لا نعرف على وجه الحصر المدة التي أمضاها في دراسة الطب إن كانت سنةً واحدةً أم سنتين، ‏لكنَّنا نعرف أنه زيَّن إحدى صفحات المجلة الطلابية بلوحة لمنظر بحري في العام 1918، ‏وعلى إثرها أطلق عليه زملاؤه في الكلية لقب "فنّان". وفي العام 1919 اطَّلع الفنّان خليل ‏الصليبي على التجارب الأولى لعمر الأنسي، وكانت رسومًا لأشجار غابة بيروت ولحدائق ‏الجامعة الأميركية، فأعجب بها وشجعه على "احتراف الرسم" وممارسته في الهواء الطلق. ‏وخلال دراسته الطب ظلَّ عمر الأنسي على احتكاك بمحترف خليل الصليبي الذي كان يقع في ‏مكان غير بعيد عن الجامعة الأميركية. وقد تأثَّرت تجارب الأنسي المائيّة الأولى بأعمال ‏الصليبي، ولا سيما في رسمه المباشر من الطبيعة لبوّابة حديقة تلة الخياط (1921) ولوحة ‏الجسر (1922)، وفي غضون ذلك ثقَّف الأنسي نفسه فنيًّا من خلال التردُّد على "مكتبة الفن" ‏التي كان قد افتتحها الشاعر شارل قرم(4).‏

في العام 1920 توفي والده، ويبدو أنَّ ذلك ساهم في حسم تردُّده ما بين مواصلة دراسة الطب ‏أو امتهان الرَّسم. وينسب الناقد العراقي فاروق يوسف لخليل الصليبي قوله: "سواكَ خُلق ليكون ‏طبيبًا، أنتَ خُلقت لتكون رسّامًا"، وذلك في معرض تشجيع الأنسي على الانصراف إلى الرسم ‏وترك الطب لسواه(5). كما شجَّع الصليبي عمر الأنسي على المشاركة في معرض بيروت ‏الدولي، في العام 1921، حيث نال الميدالية الفضيّة لذلك المعرض عن أعماله(6). ‏

كان عمر في سن الثانية والعشرين حين زار ابن عمّه محمد الأنسي في عمّان، عام 1922. ‏وليس معروفًا دافع تلك الزيارة؛ كان محمد الأنسي قد خدم في الحكومة الفيصلية، ثم التجأ إلى ‏الأردن ليلتحق في خدمة الأمير عبدالله بن الحسين في أواخر عام 1920، وهنا نقول: هل أنَّ ‏محمد الأنسي شجَّع عمر على زيارة عمّان، ربّما لمساعدته على إيجاد عمل له بعد وفاة والده، ‏وتوقُّفه عن دراسة الطب؟! أم أنَّ عمر الأنسي الرسّام الناشئ اغتنم وجود قريبه محمد الأنسي في ‏مركز رفيع في ديوان الأمير، لزيارة الأردن، ممّا يسمح له بالتجوُّل والرَّسم في أرجاء البقاع ‏الأردنيّة، والوصول إلى مناطق مثيرة لاهتماماته الفنية مثل البتراء، والبحر الميت والطبيعة ‏الصحراوية، وكذلك للتعرُّف على عالم البدو، حيث لم تلبث هذه أن تحوَّلت إلى موضوعات أثيرة ‏لرسومه المائيّة؟! ‏

الرِّواية الوحيدة ذات المصدر الأردني عن زيارة الفنّان الشاب عمر الأنسي للأردن هي تلك التي ‏يرويها عميد التشكيليين في الأردن محمد رفيق اللحام في سيرته المنشورة "رحلتي مع الحياة ‏والفن"، يقول اللحام‎:‎

‏"بدأ الأنسي دراسته للفن على يد الفنان اللبناني حبيب سرور، ومن ثم على يد خليل صليبا. جاء ‏إلى الأردن عام 1922 ليحلَّ في ضيافة ابن عمه محمد الأنسي، الذي كان رئيسًا للديوان الملكي ‏‏(...) فأقام في الشونة وجاء إلى عمّان ليقضي فيها أسبوعًا. لكن حدث أن غادر ابن عمه إلى ‏لندن برفقة الأمير عبدالله، على أن يعود إلى عمّان بعودة الأمير، فامتدَّت إقامة الأسبوع لعدة ‏سنوات في الأردن. وفي هذه الفترة بقي عمر يرسم البدو والنخيل والصحراء. وخلال إقامته في ‏الأردن علَّم الأميرين طلال ونايف اللغة الإنجليزية"(7).‏

مهما كانت أسباب ودوافع عمر الأنسي من القدوم لعمّان، إلّا أنَّ ذلك فتح له الباب للإقامة، في ‏ظروف مريحة، في عمّان، قريبًا من ابن عمّه الأكبر سنًّا، صاحب الخلفيّة العسكريّة والخبرات ‏الصحفيّة. هذا فضلًا عن كونه صاحب المنصب الرفيع والقريب من الأمير عبدالله(8)، وقد ‏استمرَّت إقامته في الأردن حتى عام 1927.‏

 

المرحلة الأردنيّة في مسار عمر أنسي ‏

قلّة من النقاد الذين توقفوا عند "المرحلة الأردنية" من تجربة عمر الأنسي الفنية، غالبًا لأنها ‏تنتمي إلى بدايات عمره الفني، حيث كان ما يزال في السادسة والعشرين، أو السابعة والعشرين ‏حين غادر عمّان إلى لبنان، ومن ثم إلى فرنسا. ‏

يصف فيصل سلطان، الفنان التشكيلي والأستاذ الجامعي والناقد الفني اللبناني، "المرحلة الأردنية" ‏‏(والتعبير لفيصل سلطان) فيكتب أنها فتحت أمامه "نوافذ التأليف البانورامي للمنظر، حيث تتدفق ‏ينابيع صور لصخور ومياه وأشكال غيوم في سراب المدى الصحراوي(...) فقد سحرته مشاهد ‏الصحراء، واستوقفت ريشته كثيرًا حياة البداوة"(9).‏

وبعد أن يذكر فيصل سلطان المواقع التي جال فيها بين الأردن وفلسطين، ومنها العقبة والبتراء ‏والبحر الميت في شرقي الأردن، والقدس وطبريا في فلسطين، يتوقف أمام لوحة مائية بعينها ‏يعتبرها "أروع لوحات المرحلة الأردنية، وتتمثل بمنظر المدرَّج الروماني في عمّان، الذي رسمه ‏في العام 1926، وأظهر فيه رشاقة أسلوبه الانطباعي (ما قبل تعرُّفه الكامل على الانطباعية) ‏في التأليف المحوري من زاوية واسعة وإيقاعات التلوين (التكثيف اللوني عبر طبقات للوصول ‏إلى الشفافية والتناغم والمناخ الشعري)". ‏

ويخلص فيصل سلطان إلى أنَّ هذه اللوحة التي أمضى الأنسي أكثر من أسبوعين في رسمها، ‏ستشكل فيما بعد المنطق الحيوي لتفهُّم أسرار الانطباعيّة، التي ما لبث أن اكتشف حقائقها ‏وإنجازاتها أثناء دراسته في أكاديمية جوليان في باريس ما بين العام 1927 و1930، أي في ‏مرحلة صعود الانطباعيّة في الحياة الأكاديمية الفرنسية"(10).‏

يتوقف فيصل سلطان عند تعرُّف عمر الأنسي على "برترام توماس" ‏Bertram Thomas‏ ‏في عمّان، الذي يصفه، بـِ"الباحث الاجتماعي الإنجليزي"، حيث تعرَّف منه على كتابات الأخير ‏عن الربع الخالي، وكيف أنَّ الأنسي كان يستعير منه كتبًا فنيّة تهتم بجمالية الفنون الإنجليزية ‏‏(على الأخص في مجال المائيّات).‏

ويضيف: "هذا الاطلاع، سرعان ما جعل الأنسي يتحوَّل في مزاجه اللوني من القتامة والقساوة ‏إلى الشفافية والاندماج الحسي باللون. هذا ما نشاهده على الأقل في التغييرات التي حدثت في ‏لوحات البحر الميت، حيث شفافية اللون والأفق والمدى الأزرق المائل إلى البنفسجي". ويتحدَّث ‏د.سلطان أيضًا عن أمثله أخرى تعكس تحوُّل مزاجه اللوني. ففي منظر مائي من القدس.. "يرسم ‏طيف المدينة عند الغروب مع إيقاعات الألوان المتداخلة"، وفي مائيّة "بوابة البتراء"، يهيمن ‏‏"لون الغبار الصحراوي وضبابية الغموض الذي يكتنف الأثر". وينتهي إلى القول إنَّ "المنظر ‏الطوبوغرافي كرؤية واقعية ظلَّ يلاحقه لسنوات"(11).‏

ويهمّنا هنا أن نتوقف قليلًا لنفتح قوسين ونتعرّف بـ"برترام توماس" والأثر الذي تركه على الفنان ‏الشاب عمر الأنسي. إنَّ "برترام توماس" (1892- 1950) هو المكتشف والرحالة الإنجليزي ‏الشهير الذي قطع الربع الخالي، وكان عالمًا ودبلوماسيًّا. عمل في العراق بين 1916 و1922، ‏قبل أن ينتقل إلى الأردن ليعمل مساعدًا للمعتمد البريطاني في عمّان ما بين 1922 و1924، ‏لينتقل بعدها للعمل لصالح سلطان مسقط وعُمان. اشتهر "برترام توماس" بسمعته كأوّل أوروبي ‏يقطع الربع الخالي، خلال عامي 1930 و1931. وهي التجربة التي وثّقها بنفسه في كتاب له ‏صدر عام 1932، حيث وصف فيه الصحراء وسكانها وثقافتها وحيواناتها(12). ‏

يبدو من إشارة فيصل سلطان إلى علاقة عمر الأنسي مع "برترام توماس" أنها كانت، من جهة، ‏عاملًا محفزًا لاهتمامه بالصحراء وبالبدو، وهو الاهتمام الذي لم يتوقف أبدًا، وحفّزه على تجسيده ‏في رسومه المائية في أكثر من مرحلة لاحقة. أمّا الجانب الآخر من هذه العلاقة فهو استفادته من ‏مكتبة "توماس" الفنية للاطلاع على نتاجات رسّامي الألوان المائية الإنجليز. ‏

وهنا نلاحظ أنَّ صلة القرابة التي تربط عمر بمحمد الأنسي، رئيس الديوان الأميري، قد سهّلت له ‏فرص الاحتكاك بالدبلوماسيين الأجانب، كما هي حال "برترام توماس"، الذي كان الرجل الثاني ‏من حيث المرتبة في التمثيل السياسي لبريطانيا في الأردن. ‏

إلى جانب د.فيصل سلطان التفت الناقد العراقي فاروق يوسف إلى فرادة تجربة عمرالأنسي عن ‏بقية الفنانين اللبنانيين الروّاد، من حيث كونه "المؤسس والفاتح في الوقت نفسه"، إذ بينما كان ‏معظم جيل الروّاد اللبنانيين قد انهمك في رسم الطبيعة اللبنانية، "فإنَّ فرصة لم تتح للآخرين ‏مكّنت الأنسي من أن يكون رسام الصحراء الوحيد، وهي صفة ربما لم يكتسبها رسام عربي ‏آخر"(13).‏

ويسجل فاروق يوسف عن نتاجات عمر الأنسي في "مرحلته الأردنية" فيقول: "الأنسي الذي ‏تعرّف على الصحراء في سنّ مبكرة من حياته قُدِّر له أن يترك إرثًا تصويريًّا نادرًا، يوثّق من ‏خلاله لحظات جمال نادرة، لتحتفظ دائمًا بنضارتها الفنيّة وقوّة حضورها التاريخيّ، بسبب أنّ ‏أحدًا من الرسامين العرب لم يقتفِ أثر الأنسي"(14).‏

أمّا "كرستن شيد" التي كتبت عن سيرة عمر الأنسي، وثبتت قائمة بمعارضه والمراجع المهمة ‏التي تناولت أعماله، فقد اكتفت بفقرة صغيرة عن سنوات إقامته الخمس في عمّان، وتقول: ‏‏"عمل الأنسي من سنة 1923 إلى 1927 في البلاط الأردني أستاذًا لطلال، ابن الأمير عبدالله. ‏وقد استغلَّ هذه الفرصة لإجراء توثيق بصري وإثنوغرافي للسكان المحليين، ممّا يشير إلى ‏اهتمامه بشعوب المنطقة وثقافتها، وهو اهتمام أظهره فيما بعد في منطقة أهوار بحيرة الحولة ‏‏(فلسطين) وجبل السويداء (سوريا) وبين السكان البدو الذين كانوا يقطنون في بيروت"(15).‏

وأمّا زياد سامي عيتاني، وهو إعلامي وباحث لبناني، فقد كتب بمناسبة مرور 51 سنة على ‏رحيل عمر الأنسي مقالًا، استهلّه بالحديث عن بدايات عمر الأنسي في الأردن. ويقول: إنَّ تعلقه ‏بالفن وسفره إلى الأردن(...) جعله يهجر كلية الطب في الجامعة الأميركية، ليقضي خمس ‏سنوات في عمّان، أمضاها وهو يرسم عالم الصحراء بكل ما يتضمّنه من مشاهد ساحرة، ووهبته ‏القدرة على تمييز الأشكال والألوان التي لا تُرى بيسر. وأضاف: "وهذا يتجلّى بوضوح من خلال ‏معرضه الأول سنة 1927 الذي حمل عنوان "في القدس"، الذي خُصِّص لعرض ما أنتجته ‏ريشته الساحرة، من لوحات انطباعية، عكست بألوانها مشاهداته الصحراوية، والتي كانت ملهمته ‏الأولى في رحلته مع عالم التشكيل"(16).‏

 

عمر الأنسي في عمّان... أسئلة تنتظر الإجابة ‏

يبقى أن نتساءل كيف عاش عمر الأنسي في عمّان؟ وكيف كان يقضي وقته؟ ومع من؟! ثم هل ‏ترك وراءه أوراقًا أو مذكرات أو ملاحظات مكتوبة عن السنوات الخمس التي قضاها في ‏العاصمة الأردنيّة؟! ‏

ما من إجابة شافية عن هذه الأسئلة. لكن من المفيد أن نتذكّر أنَّ عمّان كانت في مطلع العشرينات ‏وفي منتصفها، أقرب ما تكون إلى بلدة صغيرة لا يتعدى عدد سكانها 6400 نسمة(17). لكن في ‏الوقت نفسه كانت هذه البلدة الصغيرة تستقطب مئات المثقفين والسياسيين والعسكريين العرب، ‏ممّن لجأوا إلى الأردن بعد معركة ميسلون (24 تموز 1920) وسقوط الحكومة الفيصلية. ‏وهكذا فقد كانت عمّان تحتضن جماعات من مختلف الأقطار والخلفيّات الثقافيّة والمهنيّة. ولا ‏شك بأنَّ عمر الأنسي وجد في صفوف هؤلاء نوعًا من الحاضنة الاجتماعية. ‏

وإذا أخذنا بعين الاعتبار صغر سنّه في ذلك الوقت وتكوينه النفسي، فإنه من المرجّح أن يكون قد ‏ملأ الفراغ في حياته اليومية بالرسم والتنقل عبر الأردن، بحثًا عمّا هو مثير فنيًّا لرسمه أو عمل ‏تخطيطات له. على أنَّ القليل من الكتابات المنشورة عن سنوات إقامته في الأردن، لم يقدِّم ‏معلومات كافية عن حياته اليومية أو عن علاقته بمحيطه الاجتماعي. ‏

بيد أنَّ ثمة إشارات مقتضبة إلى أنَّ عمر الأنسي ربما ترك نوعًا من المدوّنات عن فترته ‏العَمّانية، وقد تكون منها "ملاحظات عن حياة البدو"، وهي مخطوطة غير منشورة، لا تحمل ‏تاريخًا محددًا، محفوظة لدى أرشيف ندى الأنسي، بيروت، لبنان(18).‏

خلال سنوات إقامة عمر الأنسي لم يكن ثمة مكان أو قاعة عامة في العاصمة الأردنية لعرض ‏الأعمال الفنية، بل ولم تكن هناك فنادق كبيرة كي تحتضن هكذا أنشطة، كما هي حالها في العقود ‏اللاحقة. وكان أول فندق كبير يُقام في عمّان، وهو فندق فيلادلفيا، قد دشّن في العام 1928. ‏ولذلك فإنه من العبث البحث عن تأثيره كفنان تشكيلي شاب على محيطه الاجتماعي. وبهذا ‏المعنى فإنَّ أثره الوحيد والباقي هو رسومه ولوحاته التي نُفِّذت على يده داخل الأردن، وعن ‏مواقع ومشاهد في الأردن.‏

لقد أثمرت المرحلة الأردنية عددًا غير معروف من الأعمال المائيّة التي صوّرت مشاهد طبيعيّة، ‏من الصحراء، ومن عالم البدو، إضافة إلى رسومه الأخرى، التي نفّذت عن البحر الميت ‏والبتراء. كما أنتج خلال هذه المرحلة العديد من الرسوم المائيّة عن القدس ومواقع أخرى في ‏فلسطين كان قد زارها خلال السنوات التي قضاها في عمّان. ‏

ومن المرجّح أنَّ رسومه المائيّة في الأردن كانت مادة معرضه الشخصي الأول الذي أقامه في ‏العام 1927، وحمل عنوان "في القدس". لكن لا توجد معلومات مفصّلة عن هذا المعرض، الذي ‏يقال إنَّ عائدات بيع لوحاته قد ساهمت في تمويل نفقات سفره إلى باريس للدراسة في إحدى ‏أكاديمياتها الفنيّة(19). ‏

ومن ناحية أخرى، فإنَّ قائمة معارض عمر الأنسي، كما وثقتها "كرستن شيد"، تتضمن إشارات ‏إلى معرضين لعمر الأنسي في القدس، أولهما معرض جماعي تحت عنوان "فنون عربية"، وهو ‏غير موثَّق من الناحية الزمنيّة، لكنه، كما يبدو، أقيم في عام 1932 أو 1933. أما المعرض ‏الثاني فهو معرض فردي للوحات عمر الأنسي، بالألوان الزيتيّة والمائيّة، من تنظيم "س. ‏كوري"، في مدرسة تيراسانتا القدس، وتاريخه غير موثَّق أيضًا، وقد أقيم في عام 1931 أو ‏‏1932(20). ‏

ومن المؤسف أنَّ المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة لا يحتوي على أية أعمال للفنان ‏الأنسي، سواء في مرحلته الأردنية أو في المراحل الزمنية اللاحقة. لكن المعروف أنَّ العدد ‏الأكبر منها محفوظ لدى متحف نقولا إبراهيم سرسق، الذي كان قد أقام له معرضًا استعاديًّا ‏كبيرًا، ضمَّ أعماله من مختلف المراحل، واستمرّ من 14 شباط إلى 14 نيسان 1997. ‏

 

 

الهوامش:‏

‏(1) انظر رفيق اللحام، معلومات عن الفن التشكيلي في الأردن، مخطوط أعاد اللحام نشره في اكثر من ‏مكان أبرزها كتابه "رحلتي مع الحياة والفن" الصادر عن دار سندباد للنشر وأمانة عمّان الكبرى، عمّان، ‏الأردن، 2011.‏

كما أورد المعلومات في مقابلته مع صحيفة "الدستور"، 23 أيار/ مايو 2007. ‏

‏(2) انظر عمر الأنسي بقلم كرستين شيد، ترجمة فيفيان حمزة:‏

www.encyclopedia.mathaf.org.qa

انظر ايضًا فيصل سلطان "التحولات الخفية وأسرارها في مناظر أنسي"، مقدمة تحليلية لمسيرة عمر ‏الأنسي الفنية، منشورة في كتالوج معرض عمر الأنسي الاستِعادي، في متحف نقولا إبراهيم سرسق، ‏بيروت، لبنان، 1997.‏

‏(3) فيصل سلطان، المصدر السابق.‏

‏(4) فيصل سلطان، المصدر نفسه.‏

‏(5) فاروق يوسف، "عمر الأنسي الانطباعي الذي انتقل من الصحراء إلى بحر لبنان"، صحيفة العرب ‏اللندنية، 26/6/2016.‏

‏(6) فيصل سلطان، مصدر سابق.‏

‏(7) انظر رفيق اللحام، "رحلتي مع الحياة والفن"، مصدر سابق، ص156/157. ‏

‏(8) محمد الأنسي (1880- 1951)، من مواليد محلة تلة الخياط في بيروت، تلقى تعليمه في مدارس ‏لبنان، التحق بالجيش العثماني إبان الحرب العالمية الأولى، ثم بالثورة العربية الكبرى، حيث خدم في ‏الحكومة الفيصلية في سورية، وبعد سقوطها التجأ إلى الأردن، حيث انضم إلى الأمير عبدالله بن الحسين‎ ‎في معان عام 1920، شارك عبداللطيف شاكر في إصدار أول صحيفة أردنية، وهي "الحق يعلو"، أولًا ‏من معان ثم من عمّان. ‏

عُين محمد الأنسي في وظيفة الكاتب الخاص للأمير، ثم عُين في العام 1923 رئيسًا للديوان الأميري ‏لأوّل مرّة. وأعيد تعيينه مرّة أخرى في هذه الوظيفة في أواسط حزيران 1925، وعاد ليشغل هذا ‏المنصب للمرة الثالثة للسنوات 1938- 1942. وإلى جانب ذلك تقلد الأنسي عدة مناصب وزارية. انظر ‏النسخة العربية من موسوعة ويكيبيديا.‏

‏(9) فيصل سلطان، مصدر سابق.‏

‏(10) المصدر نفسه.‏

‏(11) المصدر نفسه.‏

‏(12) انظر النبذة المنشورة عن بيرترام توماس ‏Bertram Thomas‏ في موسوعة ويكبيديا: ‏

https://en.m.wikipedia.org/wiki/Bertram -Thomas

‏(13) فاروق يوسف، مصدر سابق.‏

‏(14) المصدر نفسه.‏

‏(15) كرستين شيد. مصدر سابق.‏

‏(16) انظر: زياد سامي عيتاني، "عمر الأنسي.. شاعر النور ورائد الألوان المائية"، موقع صحيفة ‏المستقبل، 3/6/2020.‏

‏(17) انظر سليمان موسى، تأسيس الإمارة الأردنية (1921/ 1925)، دراسة وثائقية، عمّان، 1971، ‏ص178.‏

‏(18) كرستين شيد، مصدر سابق، انظر قائمة المراجع عن أعمال عمر الأنسي.‏

‏(19) أشار زياد سامي عيتاني إلى معرض "في القدس"، في المقالة المشار إليها آنفًا، لكنه لم يذكر أين ‏أقيم هذا المعرض؟! والمرجح أنه أقيم في القدس أيضًا وقبل انتقال الأنسي إلى باريس للدراسة. ‏

‏(20) انظر مقالة كرستين شيد، المشار اليها آنفًا، ولا سيما قائمة المعارض التي ضمّت أعمالًا لعمر ‏الأنسي، أو المعارض الفردية التي أقيمت لأعماله في حياته، أو بعد وفاته.‏