فنّ توظيف الألم

 

في الفيلم التركي "مسلم بابا"‏

محمد خضير

كاتب وشاعر أردني

 

منذ بداية عرضه في شهر تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2018، حقّق فيلم "مسلم ‏بابا" نجاحات كبيرة على مستوى المشاهدة والإيرادات. يجسِّد الفيلم قصة حياة الفنّان ‏التركي صاحب الموسيقى الشعبيّة "مسلم أكباش" الشهير بـِ"مسلم جورسيس". وقد ‏استطاع المخرج "جان أولكاي" أن يحوّل السيناريو إلى " قصة تُروى بالصور"، ‏وأبدع في توظيف الإضاءة في فضائيْ النور والظلّ، جاعلًا الكثير من مشاهد الفيلم ‏أقرب إلى لوحات تنتمي للفنّ التشكيليّ.‏

 

ساعتان، واثنتا عشرة دقيقة، وتسع ثوان... وأحسبُ الوقت؛ لأنّ كل ثانية في هذا ‏الزمن السينمائي، هي محطة وجع مكتملة الدموع، نشتبك فيها مع الأحداث الحقيقيّة ‏لحياة الفنّان التركي "مسلم بابا"، الذي لم يحصد من حقل الحياة الواسع غير فكرة ‏الضياع الضيّقة. ‏

منظر عام للمدينة، يستهلُّ به المخرج "جان أولكاي" فيلمه،‎ ‎قبل أن ينتقل بالكاميرا إلى ‏الشاب "مسلم" الذي يجلس على عتبة المسرح مستعدًّا للغناء... تنقطع الكهرباء، ‏فتنطفئ الأضواء في إشارة إلى حظّه العاثر، ويكأنَّ المخرج يقول لنا: "تلك هي حياة ‏مسلم بابا" الذي فتح عينيه الواسعتين متلمّسًا ما حوله وسط عتمة بدّدها جمهوره الذي ‏جلس في انتظاره، لم يثنِه الألم الجالس في ذاكرته عن الوقوف فاتحًا ذراعيه لكلِّ ‏هؤلاء، باعثًا بصوته الشجيّ، ليصير بساطًا طائرًا، يحمل عليه الجميع، في نيابة عن ‏حزن كل واحد منهم!‏

يأبى الليل أن ينصرف بسلام... ينهي "مسلم" حفله الموسيقيّ، وفي أثناء عودته، ‏تتعرض سيارته المرسيدس الحمراء لحادث مروّع، توفي السائق "فرحات" على إثره، ‏وتعرّض هو لجروح خطيرة شقَّت له من الموت شارعًا إلى حياة جديدة.‏

حادث السيارة الرهيب، والغيبوبة، حملتا "مسلم" إلى حفنة التراب الأولى، ووجع ‏البدايات، فراحَ المخرج يتجوّل داخل ذاكرة "مسلم"، ليعرض لنا كل ما مرَّ به... لقد ‏تحسّسنا بأطراف أصابعنا؛ جلدَ أكتافنا ونحن نتلقّى معه لكمات ولسعات حزام والده ‏المخمور،‎ ‎وتبعنا خط الدّم المنساب من رأس الفنّان الشاب، ليقودنا إلى أثر الطفل ‏المبذور في حقول من الأخضر الأناضولي المزروعة بلهاثه، والمحروثة بقدميه ‏المتعبتين؛ حصادها حفنة من تراب، هي كلَّ ما جناه حين وقف بين يدي والده: "يا ‏أبتِ، قلب أمّي يحترق فوق قبر أخي الصغير، فأغثها"، لكن الأب فتح كفّي "مسلم" ‏الصغير ليقيم شاهد قبر أخيه، بعد أن ملأهما بالتراب، كأنما يقول له "اغرب عن ‏عمري، وتدبّر مع أمّك أمر الحزن الذي تسببتُ لكما به"،‎ ‎فكانت برقيّة ظالمة تخبرنا ‏أيّ نوع من الآباء كان أبوه. ‏

من اللافت جدًا في هذه الملحمة السيرويّة، أنّ الشبه بين الشخصيات التي لعبت دور ‏‏"مسلم"، تطابقت مع ملامح "مسلم" الحقيقي، الطفل، ثم الصبي، إلى أن اكتملت ‏صورة الرجل الناضج، لذا، لم يُشعرنا مَن قام بتنفيذ هذا العمل بدخول غرباء إلى ‏شخصيّة الحكاية. ومن المفارقات أيضًا، وإنْ كانت حقيقيّة في شخص "مسلم" ‏الحقيقي، فهي من أشدّ الطباع جمالًا، حيث نجد استقباله للألم؛ استقبال المتمكِّن من ‏الصبر، المحترف بإخفاء شكواه، ليبعث الفرح في قلوب الآخرين، وبشكل خاص؛ ‏قلب أمّه التي لم تكن أقل صبرًا منه واحتمالًا.‏

سبع سنوات اقتُطعت من زمن شاشة العرض، عندما انتقل بنا الفيلم، من مشهد طفولة ‏‏"مسلم"، إلى رحلة صباه، فالمخرج لا يريد تكرار صورة العذاب اليومي، ربما لشدّة ‏تشابه الأيام! اختزال الزمن، لم يخفِّف وطأة الألم، بل كثَّفها... ففي عيون "مسلم" وأمّه ‏وأخيه، نظرات توشك أن تحوّل جفونهم إلى يد تقلّب روزنامة عرضتها حدقات ‏خائفة، تفتِّش فيمن حولها، وفيما حولها، عن هدنة مع الحزن، حتى ولو ليوم واحد، ‏حين يظهر "مسلم" الصبيّ راكضًا، هاربًا من سوط لسان والده الذي يفتش عنه بين ‏الباعة في السوق، يناديه: "مسلم أيها البرغوث"، كأنَّما يجرِّده من إنسانيّته! وكان كلما ‏جفَل الحمامُ وطار؛ علمنا بأنَّ "مسلم" يقبع تحت سياط والده... لكنه ينجو لبرهة، حين ‏تقوده قدماه إلى مستقبله دون أن يعلم، فيدخل مستجيرًا إلى قاعة معهد تعليم الموسيقى، ‏هناك يلتقي للمرّة الأولى بمعلمه "علي ليمونجو"، وهو مَن انتبه لصوت "مسلم" الذي ‏اعتقد بأنَّ شدّة الفوضى في رأسه؛ مصدرها صوت ناياتٍ زرعها الوجع المبحوح ‏داخل حنجرته... ليبتدئ المشوار مع الرجل المكنّى ببائع الليمون.‏

ما أدفأ البوظة التي لا تذوب! لكن لا شيء يسيل غير لعاب "مسلم" وشقيقه الأصغر ‏‏"أحمد"، فالجزء المثلّج مجرّد خيال لم يطأ كأس البسكويت المُعدّ لحمله، غير أنَّ الفقر ‏لم يسمح لهما بشراء قرطوس البسكويت إلّا فارغًا، ليضع الخيال نكهة البندق ‏المشتهاة، وكثيرًا ما تحوّل القرطوس إلى ناظور مثقوب من الأسفل، أملًا بعبور حلم ‏فاقَ خيال صبيّ هاجر برفقة عائلته إلى مدينة "أضنة" التي أنهى فيها دراسته ‏الابتدائية، قبل أن يتركها لاحقًا.‏

يبدأ العمل كخياط وإسكافي،‎ ‎ليعيل العائلة والأب المخمور الذي أمسى عالة عليها... ‏الأم "أمينة" تغسل شراشف الحيّ كي ينجو أبناءها من سياط الأب الذي يطلب المال ‏من أجل شراء مزاجه الثمل.‏

يتردّد "مسلم" ما بين شقاء العمل ومتعة الروح، لقد سانده "علي ليمونجو" حين علّمه ‏أصول الغناء، فصار يغني في مقاهي الشاي لمحبّي الفن الشعبي، ليقف لاحقًا برفقة ‏معلّمه على خشبة مسرح القرية الفقير في العام 1965، إنها المرّة الأولى التي يقف ‏فيها "مسلم" أمام صوته، وهي المرّة الأولى التي يقف فيها أمام قلبه، حين شاهد على ‏الشاشة؛ المرأة التي حلم بها، فنَما في قلبه أول حلم... إنها الجميلة "محترم نور"، ‏لينطلق بعدها إلى محطة راديو "تشكوراوفا"، وهو لم يتجاوز الرابعة عشرة من ‏عمره، ليتوالى حلم آخر، حين تجوّل الصوت في شوارع "أضنة"، معلنًا عن جائزة ‏الميكرفون الذهبي التي نظمت في العام 1967، وجائزتها تسجيل ألبوم بصوت ‏الفائز. ‏

وعلى الرّغم من محاولة والده "محمد أكباش" جزَّ هذا الحلم، حين قصَّ له شعره، غير ‏أنَّ كلمة معلّمه: "لا أحد يستطيع أن يسكتك، صوتك لن يختفي إلا إذا قرّرت أنت ‏ذلك"، جعلته يمضي قُدمًا، فكان له الفوز والألبوم.‏

لقد انتصرت أول الأحلام على رؤيا كانت تلصق الأمنيات بأضغاثها... القطُّ الذي ‏أجهز على عشّ الحمام فوق سطح الدار، لم يخشَ أحدًا، لأنّ صاحب الدار كان منشغلًا ‏بغرس سكّينِه في صدر زوجته "أمينة" التي كانت الأمينة الوحيدة على حياة طفليها ‏الذكور، وحياة مولودة لم تغنم من العمر غير بداياته، حصيلة هذا العمر القصير؛ ‏صورة وحيدة جمعتها مع أمّها وشقيقيها، قبل أن يقتلها الأب العاق حين قتل "أمينة" ‏التي صرخت: "اهربا، اهربا، أنقذ أخاك يا مسلم"، كانت تلك آخر كلمات الأمّ، ليتفرّق ‏بعدها الصحب، فتشيّع الطريق "أمينة" وطفلتها إلى الموت، وتشيّع "مسلم" و"أحمد" ‏إلى المجهول.‏

لا ملاذ للقهر والألم سوى الصدور الصغيرة، يلوذ "أحمد" الصغير إلى حضن "مسلم" ‏مستنجدًا من الخوف، وكأنّ الخوف وعاء لكل مفردات الوجع غداة علِق نداء أخيه في ‏عقله: "أنا خائف يا مسلم".‏

يرحل الصغيران إلى حضن الخال في "قونيا"، هناك يدفع "مسلم" بأخيه "أحمد" ليكمل ‏ما لم يستطع هو فعله... على مقاعد الدراسة يقضي "أحمد" الوقت الذي يقضيه، بينما ‏يستأذن "مسلم" معلّمه للغناء في الحانات، يوصيه -وهو يأذن له- بأنْ لا يضيع... يكبر ‏‏"مسلم" في عدسات المخرجيْن، فنراه رجلًا يتلوّى على وقع ألم الموسيقى، ويترنّح في ‏قبضة العرَق، ثملًا... حتى تستقيم حوله الدنيا، ويكبر اسمه بعد أوّل أسطوانة حملت ‏اسمه الفني الجديد "مسلم جورسيس".‏

صار "مسلم" أبًا لـِ"أحمد"، بل صار أبًا لكلِّ جمهوره، ولكلِّ مَن عشق صوته، وأمسى ‏فتنة لكل مَن تورّط بسماعه ولو لمرّة واحدة... حتى أدمنه الناس.‏

وكما أنَّ الصدى ذاكرة الصوت؛ فإنَّ الرائحة ذاكرة المشاعر، لقد حمل الأخوان ‏‏"مسلم" و"أحمد" رائحة أمّهما "أمينة" في نعش الذاكرة، وكانت كلّما هبّت رائحة ‏الشراشف البيضاء فوق حبال الغسيل، يطلُّ وجه "أمينة، التي غسلتها بالأجرة كي ‏تعيل أطفالها وتغلق فم زوجها الثمل... لقد انسكب عرَقُ جبينها في زجاجة أحكم ‏الزوج العاق قبضته عليها، فتراه يتّقد شرًّا وغضبًا، سواء في ثمالته أو في صحوه، ‏لذلك لم تُدفن الأمّ المقتولة؛ إلّا في التراب، لأنَّ نعشها كان يجوب الأحياء والمسارح، ‏حيث وصلت أقدام ولديها.‏

بطاقة صغيرة عُلّقت بإبهام قدم "مسلم"، معلنة موته، كان هذا أمام ثلاجة الموتى ‏تمامًا، ولو لم يتحرَّك أصبع قدمه المكشوف، لقضى بردًا... يعود بنا مخرج العمل إلى ‏الواقع، فكل ما مرَّ من أحداث، كانت تدور كدواليب العربة المقلوبة، استعرض ‏المخرج حياة "مسلم" في لحظات موت، كأنه يضرب على صدره كي يستيقظ، فراح ‏يشي بكلِّ ذكرى قد تفلح في انعاش قلبه، وإحياء صوته، وإعادته لمحبيه، فالحب أن ‏يبقيكَ أحدهم على قيد الحياة في لحظة موت.‏

رجع قلب "مسلم" إلى خفقانه، لكنَّ صوته توقف، ولم يعُد قادرًا على السمع بأذنه ‏اليسرى، وما عاد قادرًا على الغناء، هذا ما أخبره به الطبيب! ويل للضجيج حين ‏يستفرد برأس مثقلة بالوجع، لقد أفلت منه النسيان، واشتعلت فرصة الاستماع ‏للأصوات داخل رأسه... يخرج والده من السجن بعد أن دفعَ ثمن جريمته البشعة ‏ليجلس على عتبات بيت "مسلم" الذي غدا مأواه الأخير... وتبقى المفارقة أنَّ الوالد ‏العاق، حتى وإن حاول الاعتذار فلن يتمكّن "مسلم" من سماعه، لكنه ترك له باب ‏البيت مواربًا بعد أن لفظته شوارع تاهت فيها أقدام صغيريه طويلًا، وحين استقرَّت ‏أقدامهما، وعوضًا عن متابعة ندمه وضمّ ابنيه إلى صدره وشى بولده "أحمد"، فصوّب ‏بهذه الوشاية بنادق "الدرَك" إلى صدر ابنه الفار منهم، فأردوه قتيلًا، ليصير مجددًا ‏جثة هامدة في عقل "مسلم".‏

إنها "إسطنبول"، و"مسلم" الآن صار ممثلًا، لكنه أصابه الصمت أمام السؤال: "كيف ‏أوفي لك حقك؟"، هي جملة يطرحها على أخ له في فيلم "المتمرّد"، تخرجه نظرة ‏الحسرة من النص، بل من المشهد، ليغادر غرفة التصوير وهو يتحسّس جسده، ربما ‏كانت المرّة الأولى التي يتعرَّض فيها لسؤال بهذا الحجم! فكيف يوفي حق من نسيوا ‏أنفسهم لأجله؟ لقد تجسّد "أحمد" في هذا الشاب الذي أخذ دوره، لكن "أحمد" مات؛ قتله ‏أبوه ببندقية "الدرَك"، ليفتح بذلك فوّهة جديدة في روح "مسلم" الذي ابتدأ التمثيل بفيلم ‏‏"العاصي/ إحياتنكار" عام 1979، لتتوالى أفلامه التي فاقت 35 فيلمًا.‏

لم تساعده "إسطنبول" العصرية على نسيان ما حلَّ به، هناك قدّم قربان الحبِّ عندما ‏غنّى "العيون الغامضة" لمعشوقته "محترم نور" التي تكبرهُ بعشرين عامًا، قبل أن ‏يقلّدها عقدًا من الذهب، قائلًا: "كان هذا لأمّي"، إنه أثمن ما يملك، أو لعلّه كل ما ‏يملك، رغم امتلاكه للكثير! ‏

تزوج "مسلم" من حبيبته الوحيدة، كانت السيدة كبيرة على الإنجاب، إلّا أنّ خوفه من ‏أن يكون فيه شيْ من الشَّبه مع أبيه، منعه من مجرَّد التفكير في الإنجاب، واكتفى ‏بشرف الاسم "مسلم بابا"، كان أبًا لكل فرد من جمهوره، وأبًا لكل شاب عاشق ‏لصوته.‏

الصوت الذي عاش مقموعًا، عشقه الملايين من (المسلميّون) الذين تولّدت عندهم ‏طقوس ارتبطت بصوت "مسلم بابا"، لقد اعتبروه رسول الألم، ووسيلتهم إلى التعبير ‏عن آلام الظلم والقهر... كان عشاقه يلسعون أنفسهم بالشفرات لتسيل دماؤهم على وقع ‏صوته، ولطالما حاول منعهم، لكن دون جدوى! إلى أن كان يوم حديقة "جولهان/ ‏إسطنبول"، 1989، وعلى أعين 60 ألف مشاهد... صعد "مسلم بابا" مرتديًا بدلته ‏البيضاء، فقفز إليه أحد محبّيه وطعنه بسكينه، "مسلم" الذي تعافى من الحادثه؛ عفا ‏عن الشاب، عندما أدرك بأنَّ من الحبِّ ما قتل!‏

في آخر مشاهد الفيلم، يعود "مسلم" لرؤية والده الذي أمضى عشرين عامًا في السجن ‏قبل أن يخرج ويستقر في مدينة "أورفه" وعلى نفقة ابنه، هناك كان على "مسلم" أن ‏يذيق والده ولو جرعة واحدة من سمٍّ جرّعه إياه طوال عمره، حين اعترف لـ"مسلم" ‏بأنّه تسبّب بمقتل أخيه "أحمد"، فاكتفى "مسلم" بحفنة من التراب، وضعها في كفِّ ‏والده "محمد أكباش"، الذي ترك ضحاياه دون قبور، لقد سجّاهم "مسلم" أسفل حفنة ‏التراب... وغادر.‏

قبل نهاية الفيلم تعود زوجته ومعشوقته "محترم"، التي تطلب منه، إن ماتت قبله أن ‏يعتني بنفسه، فيقول: "لا موت قبلي يا محترم". لقد فاض قلب ذلك المسكين بمساكن ‏الموتى في عقله.‏

يضيف: "يا سيدة "محترم"، البعض يكبر في الجنة، والبعض يكبر في الجحيم... مثلي ‏أنا".‏

على المسرح، يكتب المخرج على شاشة العرض: "هو لم يصبح أبًا، كان يخشى أن ‏يكون مثل أبيه"، بدت الكلمات وكأنّها تُكتب على ظهر "مسلم" وهو يتوجَّه نحو ‏المسرح.‏

الإخراج

لقد تمكن المخرج "جان أولكاي"، من توظيف الآلام المتوالية على شخصية "مسلم"، ‏وإظهارها في قالب درامي، مستعينًا بأدواته السينمائية باحتراف لافت، كما استطاع -‏عبر تقنية تحريك الكاميرا من زوايا عديدة- أن يحوّل السيناريو إلى " قصة تُروى ‏بالصور"، فهو لم يعتمد زاوية محدّدة لكل لقطة، بل توسّع في استخدام كل الزوايا ‏المحتملة للعدسة، الأمر الذي أعطى اللقطة لغة بصريّة واقعيّة واسعة.‏

كما أبدع في توظيف الإضاءة التي فتحت أمام الأداء مجال التعبير في فضائيّ النور ‏والظلّ، وهي تقنية إخراجيّة حاذقة، جعلت الكثير من مشاهد الفيلم أقرب إلى لوحات ‏تنتمي للفنّ التشكيليّ.‏

 

خلاصة

فيلم "مسلم بابا" جسّد قصة حياة الفنّان التركي صاحب الموسيقى الشعبية "مسلم ‏أكباش"، الشهير بـِ"مسلم جورسيس" أي صاحب الصوت الجهوري... مسلم بابا، مسلم ‏جورسيس، مسلم أكباش، جميعها تروي الحكاية ذاتها، هذا الفنّان صاحب القلب ‏المذبوح، يشدو كلَّما حزَّ قلبه ألم جديد، كما أنّ حزنه المعتَّق منذ حفنة التراب الأولى؛ ‏صوّر لنا بأنّ كفّيه الصغيرتين صارتا مدفنًا منذ صغرهما... وربّما منذ مولده في ‏مدينة "شانلي أورفه" في العام 1953، لعائلة مكوّنة من والده "محمد أكباش" ووالدته ‏‏"أمينة أكباش" وأخيه "أحمد" وأخته "زينو".‏

منذ بداية عرضه في شهر تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2018، حقّق الفيلم ‏نجاحات كبيرة على مستوى المشاهدة والإيرادات، وقد بلغت إيراداته أكثر من 80 ‏مليون ليرة تركية، في حين شاهده ما يقرب من 6.5 مليون مشاهد، الفيلم من إنتاج ‏شركة "دجتل صناتلار" المنتجة لفيلم "أيلا" الحائز على لقب أفضل فيلم باللغة ‏الأجنبية في الأوسكار، وهو من إخراج "جان أولكاي" مخرج فيلم "أيلا" بالاشتراك ‏مع "هاكان كيركافاش"، وسيناريو "هاكان جونداي" و"جورهان أوزتشفتجي"، وشارك ‏في بطولة الفيلم "شاهين كينديرجي" الذي لعب دور "مسلم جورسيس" الفتى، ‏و"تيموتشن إيسان" الذي لعب دور "مسلم جورسيس" البالغ، كما قام بدور رئيس في ‏الموسيقى التصويرية الخاصة بالفليم حيث غنّى 14 أغنية لـ"مسلم جورسيس"، (خلال ‏العمل على الفيلم، اضطرّ إيسان للسفر إلى الولايات المتحدة، حيث تدرّب وعمل مع ‏فنانين عالميين).‏

شارك في البطولة عدد من الأسماء الكبيرة كـ"أركان جان" بدور المعلم "علي ‏ليمونجو"، "زيرين تكيندور" بدور "محترم نور"، بالإضافة إلى الممثل "تورجت ‏تونتشالب" في دور "محمد أكباش" والد "مسلم جورسيس"، وغيرهم من نجوم السينما ‏التركية.‏

الحقبة التي لمع فيها شخص "مسلم" وصوته، كانت حقبة الطبقات السحيقة التي أعيتها ‏أزمات البلاد الاقتصادية اللامتناهية، حيث حكمت البلاد بسلاح العصر، وغابت ‏الديمقراطية التي قد تبشر بالإصلاح، لذا صار صوت "مسلم بابا" الحزين، بمثابة ‏الرسول لكل هؤلاء المقهورين، المقموعين.‏

مات "مسلم جورسيس"، في الثالث من آذار/ مارس 2013، بعد أربعة شهور ‏أمضاها في العناية الشديدة، شيّع ودفن لاحقًا في مقبرة "زنجيرليكوي" بمدينة ‏إسطنبول، وقد أعلن محبّوه يوم ميلاده 7 من أيار/ مايو يومًا عالميًّا للـ"مسلميّين‎"‎‏. ‏

 

المصادر:‏

‏-‏ https://www.noonpost.com‏/‏

‏-‏ فيلم "مسلم بابا" للمخرج التركي "جان أولكاي".‏