التَّشكيل الأردنيّ المعاصر ‏ الرَّوافع الثقافيّة والحضاريّة

غسان مفاضلة

ناقد وفنان تشكيلي أردني

 

ما إن نحاول الاقتراب من المشهد التشكيلي المعاصر في الأردن، والوقوف على إرثه ‏الحضاري، ومعاينة مقارباته الجماليّة والثقافيّة، حتى ندرك أنّنا أمام مشهد انحاز منذ التماعاته ‏الأولى، قبل نحو مئة عام، إلى جوهر التعبير المشرع على آفاق الحوار بين ذلك الإرث الموغل ‏في قِدمه، وبين معطيات راهنه المعاصر. وهو الحوار الذي بات يُعرف في الثقافة العربيّة منذ ‏مطلع القرن الماضي، بحوار "الأصالة والمعاصرة". وهو، أيضًا، الحوار الذي ما فتئ الفنّان ‏الأردنيّ يؤكِّد من خلاله على حداثة الرُّوح الشرقيّة، وانفتاح مقترحاتها الجماليّة بروافعها الثقافيّة ‏والحضاريّة، على مناخات التَّشكيل المعاصر‎.‎

لم تكن البدايات الأولى التي شكَّلت "ملامح" الفن التشكيلي المعاصر في الأردن، مع مطلع ‏عشرينات القرن الماضي، بمعزل عن بدايات العديد من مثيلاتها في بلدان الوطن العربي. وظلَّت ‏تعبيراتها الجماليّة المتنوِّعة، وثيقة الصّلة مع عمقها التاريخي والحضاري، بحِقبه وشواهده ‏المتنافذة على مرّ العصور‎.‎

وبسبب موقعه الجغرافي المتميّز في قلب الشرق، والذي جعل منه حلقة وصل استراتيجيّة بين ‏آسيا وأفريقيا وأوروبا، تعاقبت على أرجاء المكان الأردني ممالك وكيانات وأمم، جعلت منه ‏مسرحًا للتفاعل الحضاري، ومتحفًا زاخرًا بالأوابد التاريخية والمعالم الأثرية التي ما تزال شاهدًا ‏على الدور الرئيس الذي حظي به موقع الأردن في إرساء قواعد الحضارة الإنسانيّة‎.‎

ولنا في تماثيل عين غزال التي تُعدُّ من أقدم المنحوتات المصنّعة في التاريخ البشري، والتي تعود ‏إلى العصر الحجري الحديث ‏Neolithic)‎‏) قبل نحو عشرة آلاف عام، مثالٌ ساطعٌ على تطوُّر ‏الحضارات الإنسانيّة وتعاقبها على جغرافية الأردن، وهي تسرد حكاية الإنسان منذ فجر التاريخ ‏مع الطبيعة والمكان، ومع اشتراطات "التحدي والاستجابة" لصنوف معطيات الحياة ومعتركاتها ‏على غير صعيد‎.‎

فيما تُعدُّ البتراء؛ "المدينة الورديّة" التي نحتها العرب الأنباط قبل نحو 2500 عام في جنوب ‏الأردن، من أهم تجلّيات التاريخ الإنساني في الإبداع والرقيّ والتنظيم. إذْ تختلط في حضرتها ‏المتعة بالمعرفة، ويتقاطع الجمال مع سحر المكان، أمام أروع صرح حضاري شيّدته السواعد ‏العربيّة على مرّ الزمان‎.‎

ومع مسلّة الملك المؤابي ميشع، التي تسرد بنقشها الجمالي المصمَّم من الحجر البازلتي الأسود، ‏انتصارات ميشع على بني إسرائيل في القرن التاسع قبل الميلاد، نتعرَّف على أقدم المسلّات ‏التاريخيّة في بلاد الشام، إضافة إلى كون المسلّة التي اكتُشفت عام 1868 في ذيبان عاصمة ‏المملكة المؤابيّة، المسلّة الوحيدة الكاملة في العالم‎.‎

ما تزال مسلّة ميشع، المعروضة في متحف اللوفر بباريس، شاهدًا على واحدة من أهم الحِقب ‏التاريخيّة التي احتضنتها المملكة المؤابيّة، لجهة النشاط العمراني، والتمتُّع بالرَّخاء والازدهار‎.‎

ومع امتداد الحضارة العربيّة الإسلاميّة، تشهد الصحراء الأردنيّة تشييد العديد من القصور ‏الأمويّة الشهيرة، مثل الحلّابات والحرّانة والمشتّى، وقُصير عَمْرة الذي ازدانت جدرانه بروائع ‏التصوير الإسلامي، لتشكّل إضافة نوعيّة لتراكم مخزون التراث البصري الذي احتضنه الأردن ‏على مدار الحِقب التاريخيّة المتعاقبة‎.‎

فالنّتاجات الفنيّة التي جسَّدها الإنسان القديم في شرق المتوسط، ومنها "المجتمعات التي أنتجت ‏الظواهر الفنيّة التشكيليّة في الأردن ودول الإقليم قبل نحو 10 آلاف عام، تشاكلت مع الأسطورة ‏في تمثيل قوانين الطبيعة ومصير الإنسان"، وهو التشاكل الذي انتقلت منجزاته وتعبيراته الفنيّة ‏من حيزها الجمعي (بوصفها نتاج تلك المجتمعات) في التعبير عن تلك القوانين، إلى حيزها ‏الفردي الذي تبوّأه الفنّان الأردني في التعبير عن طيفٍ واسعٍ من الموضوعات التي تعاين علاقة ‏الإنسان مع محيطه وبيئته من منظور دينامي ومعاصر‎.‎

لم يقف الفنّان الأردني في تعامله مع مخزون تراثه الحضاري، الذي شكّل له على الدوام رافدًا ‏تعبيريًّا وجماليًّا لا ينضب، موقفًا سكونيًّا يعتمد على التلقّي والتّقليد، بل راح في منجزه الفني ‏يحاور مكوّنات مخزونه الحضاري بعين مفتوحة على الحاضر وهي تعاين أصداء الرنين ‏المتحدّر من جرس الزمان الموشوم بذاكرة المكان‎.‎

فكان الاستلهام، وكانت الإضافة والتجاوز، مرتكزات الفنان الأردني وروافعه في معاينة إرثه ‏الحضاري بعينٍ معاصرة؛ عينٌ ظلّت مشدودة إلى مقاربة المسافة بين مرجعيّاتها المتنافذة مع ‏جذورها الشرقيّة، ومع موروثات حضارتها العربيّة والإسلاميّة‎.‎

تنوّعت انشغالات الفنّان الأردني وتوزَّعت مع بواكير تأسيس الدولة الأردنية، على حقول ‏التعبيرات البصرية بموادها وتقنياتها المختلفة، وحقّقت منجزاته في الفنون الشعبية، والرسم ‏والحفر والنحت والخزف والتصوير الضوئي وفنون التجهيز الإنشائي، تراكماتها التعبيرية، ‏وانزياحاتها الجمالية ضمن السياق المعاصر للفنون التشكيلية العربية والعالمية. وهو ما جعل من ‏التشكيل الأردني المعاصر، إطلالة مفتوحة على مشهد حافل بالتنوُّع والثَّراء‎.‎

 

الابتكار والتَّجديد

وعلى الرّغم ممّا حملته المبادرات الأولى لروّاد الفن التشكيلي في الأردن، من ارتسامات تسجيليّة ‏وانطباعيّة تدور في فلك محاكاة البيئة المحليّة وظواهر الواقع المعيش، إلا أنها شكّلت اللّبنات ‏الرئيسة لملامح التشكيل المعاصر، باتجاهاته وتقنياته المختلفة التي تبلورت عبر تراكم التجربة ‏والمعرفة والخبرة الأكاديمية‎.‎

اتجاهات التشكيل المعاصر في مشهده الأردني، وخاصة في فن الرسم والتصوير، والتي تحرّكت ‏بين أجيال وتجارب مختلفة، من حيث تنوُّع الرُّؤى والصياغات والتقنيات؛ تُلْفت إلى اهتمامات ‏الفنّان الأردني وانشغالاته مع المعطيات البصريّة الجديدة التي أضفى عليها رؤيته وأسلوبيّته في ‏التَّعبير والتَّشكيل‎.‎

ومع فنّ النَّحت، انطلق النحات الأردني في رؤيته الفنية، التعبيرية والجمالية، من خبرته مع ‏التراكمات المعاصرة لفنّ النَّحت الحديث، مستندًا على الموروثات الحضارية والشواهد النحتية ‏التي احتضنها الأردن وتفاعل معها على مرّ العصور. ومع هذا المنطلق شَرع بتأسيس منجزه ‏النحتي، بمواده وتقنياته المتنوّعة، وفق مقارباته الحسيّة والتعبيريّة بين معطيات النحت المعاصر، ‏ومعطيات إرثه النحتي، التي حاور مذاقاتها التعبيريّة بروحيّة مفتوحة على آفاق الاستكشاف ‏والتجريب والتجديد‎.‎‏ ‏

ومع الصورة الفوتوغرافيّة، التي بدأت ثقافتها الجماليّة بالشيوع والانتشار في محيطها الأردني ‏منذ سبعينات القرن الماضي، راح الفنان الفوتوغرافي يعاين جماليّات الظواهر المرئيّة في ‏محيطه البيئي التي شكّلت الطبيعة الأردنية، بما تحفل به من جماليّات فريدة بسبب تنوُّعها البيئي، ‏إلى جانب المعالم التاريخية والتراثية؛ الموضوع الرئيس الذي رصد جماليّاته بالمعاينة والتقصّي ‏والتثبيت‎.‎

فيما شكّل الانفتاح على حرية التعبير والتجريب في فن الجرافيك (الحَفْر)، روافع جماليّة صبغت ‏اتجاهات المشهد الجرافيكي المعاصر في الأردن بتنوُّع وسائطه وتقنياته، التي أحاط بها، وعبّر ‏من خلالها عن خصوصيّته الفنيّة بثقة واقتدار، ضمن الطروحات والاتجاهات التي ميّزت فنّ ‏الجرافيك المعاصر‎. ‎

فيما يعود فنّ السيراميك (الخزف) في الأردن إلى الحضارات القديمة التي تعاقبت على ‏جغرافيّته، وتحلّى بمزايا جماليّة وتقنيّة قلّ نظيرها، خاصة مع الخزف النبطي. اكتشف الفنان ‏الأردني إمكانات الخزف التعبيريّة وطواعيته التشكيليّة، فأضفي عليها رؤيته، وأعاد إنتاجها بثقةٍ ‏واقتدارٍ، وفق السمات الخاصّة بموروثه الحضاريّ‎.‎

 

البدايات والتحوُّلات

ظهرت البدايات الأولى للتشكيل الأردني على يد فنانين وافدين، هما اللبناني عمر الأنسي، ‏والتركي ضياء الدين سليمان. فقد حضر الأنسي إلى عمّان في العام 1923 قادمًا من بيروت، ‏ليمكث فيها خمس سنوات مارس خلالها الرسم المائي والزيتي بأسلوبٍ انطباعي، ليغادر بعدها ‏إلى باريس لدراسة الفنون‎.‎

أمّا الفنان ضياء الدين سليمان الذي كان ضابطًا في الجيش التركي المقيم في بلاد الشام أثناء ‏الحرب العالمية الأولى، فقد عاش بعد انتهاء الحرب في فلسطين التي قدم منها إلى عمّان في العام ‏‏1930، ليمارس الرسم بالألوان الزيتية، فرسم عمّان وجرش وطبريّا والقدس، ليقيم أوَّل ‏معرض له عام 1938 في فندق فيلادلفيا بعمّان‎.‎

بينما يُعدّ الفنان جمال بدران المولود في حيفا، أوّل فنان يحمل مؤهلًا أكاديميًا، حيث درس ‏الفنون التطبيقية في القاهرة (1922- 1927) ليكمل بعد ذلك دراسته في بريطانيا (1934-‏‏1937) في مجال الفنون التطبيقية والزخرفة. وهو ما أتاح له لاحقًا الإشراف على ترميم ‏المسجد الأقصى، وإعادة منبر صلاح الدين إلى وضعه الطبيعي بعد أن حرقه "الإسرائيليون" في ‏العام 1969‏‎.‎

في منتصف أربعينات القرن الماضي، برزت مجموعة من هواة الرسم الذين كانوا يعرضون ‏أعمالهم في صالونات الحلاقة والمحلات العامة بسبب عدم وجود صالات فنيّة لعرض أعمالهم ‏فيها، ومنهم رفيق اللحام، وحلمي حميد ويعقوب السكر الذي صمَّم العملة الأردنية والعديد من ‏الطوابع البريدية. وكان شيخ الفنانين الأردنيين الفنان رفيق اللحام الذي رحل مؤخرًا أثناء إعداد ‏هذا الملف، من أبرز الهواة في تلك الفترة، حيث عرض رسوماته مع الفنان عمر الأنسي الذي ‏عاد إلى عمّان بعد إنهاء دراسته في باريس‎.‎

كما ساهم الفنان الروسي جورج أليف، الذي وصل إلى عمّان مع بداية النكبة الفلسطينية قادمًا من ‏فلسطين، في صياغة الملامح التشكيليّة الأولى في الأردن، من خلال تدريس الفن لعدد من ‏الفنانين، مثل مهنا الدرة ورفيق اللحام ونائلة ذيب، حيث امتاز أسلوبه الفني بالواقعية الفطرية ‏التي عبّرت عنها معارضه منذ مطلع خمسينات القرن الماضي، وحتى العام 1968 الذي غادر ‏فيه إلى بيروت‎.‎

شهدت عمّان منذ بداية خمسينات القرن الماضي حتى نهاية ستيناته، عشرات المعارض التي ‏شكّلت اللبنات الرئيسة للحركة التشكيلية الراهنة‎.‎

ففي العام 1951 أقيم معرض جماعي في "المنتدى العربي" شارك فيه عدد من الفنانين، منهم ‏مهنا الدرة ورفيق اللحام وقاسم شعبان وهاشم حجازي. وفي العام 1952 أقيم المعرض الزراعي ‏الصناعي الأردني الأوَّل، حيث ضمّ جناحًا خاصًا بالفن التشكيلي. كما أُقيم معرضٌ جماعيٌّ في ‏العام الذي تلاه في الكلية العلمية الإسلامية، ومعرض آخر للمنتدى العربي. بينما عَرَضَتْ "ندوة ‏الفن الأردني" التي تأسست عام 1951 أعمال نحو 50 فنانًا وهاويًا من أعضائها في معهد ‏النهضة العلمي‎.‎

ومنذ العام 1958، بدأت المعارض الفردية بالظهور، فأقامت الفنانة عفاف عرفات الحاصلة ‏حينها على دبلوم الفنون من بريطانيا عام 1957، معرضها الأول بفندق الإمبسادور في القدس، ‏ومعرضها الثاني في المركز الثقافي البريطاني في عمّان عام 1959‏‎.‎

كما أقيم في العام 1960 معرض التصوير الجماعي الأول بدعوة من رئاسة التوجيه والإعلام، ‏ليتبعه بعام معرض جماعي في أمانة العاصمة. وفي العام 1962 تأسست "ندوة الرسم والنحت ‏الأردنية" التي أقامت العديد من المعارض الفنية، منها معرض "الخريف" في أمانة العاصمة الذي ‏ضمّ أعمال نحو 50 فنانًا وهاويًا، من بينهم الأميرة وجدان الهاشمي، أرسلان رمضان، توفيق ‏السيد، جورج أليف، رفيق اللحام، منى السعودي، هاني الحوراني وكمال بلاطة‎.‎

شهدت عمّان بعد ذلك نشاطًا فنيًا متناميًا، خاصة في مرحلة السبعينات، بعد عودة دارسي الفنون ‏من الدول الأوروبية والعربية، فتوالت المعارض الفردية والجماعية. وفي عام 1972، تمّ ‏تأسيس معهد الفنون الجميلة التابع لدائرة الثقافة والفنون قبل أن تصبح وزارة الثقافة، حيث تسلّم ‏الفنان مهنا الدرّة منصب المدير العام للمعهد، فتتلمذ على يديه العديد من الفنانين الأردنيين، كما ‏شهدت هذه المرحلة تأسيس رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين في العام 1977، تلاها تأسيس ‏قسم الفنون الجميلة في جامعة اليرموك عام 1981‏‎.‎

وتعتبر مرحلة تسعينات القرن الماضي وما بعدها، من أخصب المراحل الفنية التي شهدتها ‏الحركة التشكيلية على نحوٍ غير مسبوق، وذلك بسبب انتقال أعداد كبيرة من الفنانين العراقيين ‏من أجيال مختلفة إلى المملكة بعد حرب الخليج الثانية، وهو ما شكّل للفنان الأردني أرضيّة ‏خصبة للتعرُّف على تجارب الفنانين العراقيين والتفاعل معها عن قرب. تلك المرحلة أفضت إلى ‏ازدياد مضطَّرِد في عدد المعارض وصالات العروض الفنية التي ناهزت نحو 30 صالة عرض ‏في عمّان‎.‎

تجربتان رائدتان

لا يمكن التطرُّق إلى بدايات الفن التشكيلي الأردني، وتتبُّع مراحله وتحوُّلاته، من دون التوقُّف ‏عند تجربتين رائدتين ساهمتا في تشكيل البواكير الأولى للفن الأردني، ولازمتا مراحل نهوضه ‏من دون انقطاع على مدار سبعة عقود. وهما رائد الحداثة التشكيلية في مشهدها الأردني الفنان ‏مهنا الدرة الذي رحل بداية هذا العام، وشيخ التشكيليين الأردنيين الفنان رفيق اللحام الذي رحل ‏أثناء إعداد هذا الملف‎.‎

الفنّان مهنا الدرّة

قُرب "سيل عمّان" كانت ولادة الفنان مهنا الدرة في العام 1938. هناك ابتدأت معالم موهبته ‏بالتشكُّل متأثرةً بمحيطها الناغل بالحركة والتنوُّع والانسجام، وهو المحيط الذي عاينته لوحته ‏بعيدًا عن التنميطات والترسيمات المسبقة، ما جعل منه رائدًا حداثيًّا مجددًا في التشكيل الأردني، ‏وحاضرًا على الدوام في مناخه المعاصر‎.‎‏ ‏

شكَّلت الحكايات غير المرئية في طفولته المبكرة، بداية منطلقاته الحسية والذهنية. فأثناء تواجد ‏عائلته في مدينة الكرك (140 كلم جنوب العاصمة الأردنية) مطلع أربعينات القرن الماضي، ‏حيث كان والده مديرًا لمدرستها الثانوية، أخذت الحكايات الخرافية والقصص المأهولة بعوالم ‏الجنيّات في قلعة الكرك وآثارها (التي يعود بناؤها إلى عهد المؤابيين في القرن التاسع قبل ‏الميلاد)، تتسرّب من الغرف المعتمة في القلعة إلى غرف خاصة في رأسه، ليكشف بإدراكه ‏الحسّي المبكر عن مكنونات عالم خفي غير مرئي، وهو العالم الذي وشّح مرئيّاته الفنيّة في جميع ‏مراحله لأزيد من سبعة عقود‎.‎

فيما شكّل "سيل عمّان"، بهدوئه وصخبه، المحطات الأولى في إدراكه البصري. فمن متعته في ‏مراقبة قطع الأثاث القديمة وهي تطفو، والأكواخ التي يجرّها الفيضان، إلى معاناته اليومية في ‏قطع السيل من البيت إلى المدرسة، إضافةً إلى سحر انعكاس الأضواء الليلية على سطح الماء؛ ‏كل ذلك أسهم بتشكيل مصادره البكر في التماعات رؤيته الفنية "على الرغم من كل شيء اتخذتُ ‏السيل صديقًا لي، وقد لعب دورًا مركزيًا في المراحل الأولى من حياتي ولغاية الآن؛ فما زلت ‏أتذكر شفافية المكان، والأمواج الضعيفة التي تتراقص كخيوط الفضة، بانعكاساتها المختلفة، إذا ‏ما سقط عليها الضوء".‏

ومع الفنان الروسي جورج أليف وتتلمذه عليه في نهاية الأربعينات في عمّان، أخذ إدراك مهنا ‏للفن يأخذ منحى جديدًا في معاينة ظواهر العالم وموجوداته "كان أليف أوَّل مَن علّمني أساسيات ‏الألوان المائية، حيث كانت أوَّل تجربة أواجه بها مباشرة معرفتي بالفن، وكانت الانطلاقة التي ‏جعلتني مستعدًّا لمواجهة العالم".‏

وبتعرُّفه، في بداية الخمسينات، على الفنان الهولندي وليم هلووين، تعرَّف على المدرسة الهولندية ‏في الفن، وتحديدًا تجربة الضوء عند رمبرانت بما تحفل به من طاقة وحركة، ومنها تدّرج الدرّة ‏إلى الملامح الأولى في التجريد اللوني، وهي نفسها "التجربة السحريّة التي تجعل الرؤية ممكنة" ‏بحسب الفنان.‏

خلال التحاقه بأكاديمية روما للفنون الجميلة أواسط خمسينات القرن الماضي، تعرَّف الدرة على ‏الجمال المعماري لمدينة روما، كما تعرَّف على أساتذة عصر النهضة في متاحف إيطاليا ‏وكنائسها‎.‎

يعود في عام 1959 إلى عمّان مدرِّسًا للفنون في معهد المعلمين. وبعد عام يغادر مرَّة أخرى ‏إلى روما لمدة عشرة أعوام عاملًا في السلك الدبلوماسي؛ فتُعرف أعماله على مستوى عالمي ‏بفعل معارِضِه خارج الأردن التي عرّفت بفرادة أسلوبه الفني وتميُّزه‎.‎

عُيِّن الدرّة في عام 1971 مديرًا عامًا لدائرة الثقافة والفنون قبل أن تصبح وزارة الثقافة، ليشرع ‏بعد ذلك بعام بتأسيس معهد الفنون الجميلة، ليتتلمذ على يديه العديد من الفنانين الأردنيين. ونتيجة ‏لجهوده وإسهاماته المتميزة في إغناء المسيرة الثقافية والفنية، استحقّ أول جائزة تقديرية تمنحها ‏الدولة في الآداب والفنون عام 1977‏‎.‎

بعد ذلك عمل في جامعة الدول العربية مديرًا للشؤون الثقافية في عام 1981، كما عمل سفيرًا ‏لجامعة الدول العربية منذ عام 1992 وحتى عام 2000، ليستقرّ به المطاف في عمّان‎.‎

ابتدأت تجربة الدرّة الفنية بمحيطه الخاص، مكانًا وإنسانًا. وكان لقسمات الوجوه وملامحها ‏التعبيرية، النصيب الأكبر في بحثه عن الإيقاع الذي شكّل الناظم الحيوي للطاقة الحركية في ‏لوحته، بوصفها النقيض المُضْمر للسكون والجمود. كما شكّل "رسم الفعل"‏‎ Action ‎Painting، إيقاعًا مشتركًا بين مختلف مراحل الدرّة الفنية؛ فمن مرحلته الزرقاء، التي شكّل ‏البورتريه منطلقها ومحورها في بداياته الفنية، إلى تكعيبيته- التجريدية، بتكويناتها المتداخلة ‏ومناظرها الآخذة بالتآكل والتصدُّع، وصولًا إلى تجريديته التي تمنح الكتلة مداها الحركي عبر ‏شفافية اللون وتدرُّجاته، بالإضافة إلى رسوماته بالحبر الصيني، بموضوعاته الراقصة في فضاء ‏مشحون بالطاقة والحيوية‎.‎

نأيه عن السرديات الإنشائية، وعدم ارتهانه للشروط الخارجة عن مقتضيات الحسّ والشعور، ‏إضافة إلى صدقيّته وعفويّته، جميعها ساهمت في تشكيل خياراته الحرّة في التعامل مع لوحةٍ لا ‏تحتكم إلّا لمعيارها الخاص في الإنشاء والتعبير‏‎.‎

رفيق اللحام

شيخ التشكيليّين الأردنيّين ‏

أسَّس رفيق اللحام "ندوة الفن الأردني" عام 1951، واتحاد التشكيليين العرب في بغداد عام ‏‏1971، ورابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين عام 1977، وهو من مواليد دمشق عام 1931، ‏وقد أدرك مبكرًا أنَّ العاطفة وحدها، مهما بلغت درجة اتّقادها، لا تُنضج فنًّا، أو تسوّغه؛ فعرف ‏كيف يكبح جموحها، وكيف يراوغ انفلاتاتها وتقلباتها عبر استدراجها الوئيد إلى هندسة الجمال‎.‎

استدراج العاطفة إلى هندسة الجمال، يعني أن تكونَ دائمًا على أُهْبة التحفّز والامتثال إلى ‏استحقاقات العاطفة والجمال معًا. ويعني أيضًا، أن يكون رفيق اللحام إنسانًا وفنانًا، مع مساحةٍ ‏واسعةٍ من الثقة والتجريب والاقتدار. وهي صفات ظلّت ملازمة له في حياته وفنّه على السواء‎.‎

ترويب العاطفة بالجمال، وتنقيتها من شوائب المغالاة والانفعال، هو ما منح الفنان رفيق اللحام ‏تلك المساحة الواسعة والمتنوِّعة في تناوله أكثر الموضوعات ارتباطًا بالعاطفة والوجدان، خاصةً ‏مع موضوعة مدينة القدس التي جعل من شواهدها الجمالية والدينية والعمرانية، موضوعًا تعبيريًّا ‏مفتوحًا للمُعاينة والتشكيل، ووفق النزعة الهندسية التي وسمت جلّ أعماله بأسلوب أقرب ما يكون ‏إلى "الهندسة المنضبطة‎"‎‏.‏

وعلى الرغم من تناول اللحام الذي تخرّج في معهد سان جاكومو بروما عام 1964، للعديد من ‏الموضوعات المتنوعة في رسوماته، مثل المفردات والرموز الجمالية التي يزخر بها موروث ‏الحضارة العربية والإسلامية، إلى جانب أنماط من الحياة الشعبيّة والعلامات التراثيّة السائدة في ‏محيطه وبيئته؛ إلا أنّ الحضور المحوري الذي حظيت به مدينة القدس في جلّ أعماله، وألقى ‏بظلاله على موضوعاته الأخرى، لم يكن سوى نتاج تلك المقاربة الحميمة بين العاطفة والجمال. ‏مقاربةٌ ظلت وفيّةً للغتها وكشوفاتها الجماليّة، من دون أن تغفل عن شروطها الاجتماعيّة ‏والتاريخيّة‎.‎

رغبة اللحام الذي التحق العام 1967 بمعهد روتشستر التكنولوجي في ولاية نيويورك دارسًا ‏للرسم وفن الحفر، في تأكيد ارتباطه بالتقاليد التشكيلية العربية والإسلامية، من دون أن يتخلى ‏عن القيم الفنية العالمية، لجهة الرؤية والتكوين؛ ترجع إلى ارتباطه بمنهجية الظاهرة الأسلوبية ‏المتنوعة، حيث يتنقل في منجزه التشكيلي بين أكثر من طابع فني، وهو ما يتوافق مع التزامه ‏بضرورة تكثيف التعبير الفني كعالم مستقل تحكمه الرؤية الجماليّة- العينيّة والذهنيّة‎.‎

المعمار التكويني للوحة الفنان، يستند بشكل رئيس على سلسلة الإيقاعات البصرية الراشحة من ‏تنويعات الزحرفة الهندسية، ومن طواعية الحرف العربي وإمكاناته الشكلية في ابتكار علاقات ‏جديدة مع غيره من عناصر لوحته. إنه المعمار الذي أفضى إلى ذلك التماسك والانسياب على ‏السطح التصويري الذي صار بفعل تواشج العلاقات والتعبيرات، مصهرةً للذاكرة والعاطفة ‏والخيال‎.‎

اللحام الذي أقام مع الفنان الأميركي "بول لنجرن" دورة لفن الطباعة في مركز كندي ببيروت ‏عام 1969، يُعدّ أول فنان أردني مارس فن الغرافيك. كما كان أول مَن قام بتأسيس الجمعيات ‏الفنية في الأردن، وهو أيضًا أول فنان أردني يستخدم في عقد الستينات الحرف العربي كعنصر ‏جمالي مرتبط عضويًّا مع العناصر الأخرى للوحته، مثل المساحات اللونيّة، والكتل والفراغات، ‏والتكوينات المعماريّة والزخارف الهندسيّة‎.‎

تتنوَّع أعمال اللحام وتتوزَّع على العديد من الأساليب والتقنيات والحقول البصريّة المختلفة، مثل ‏الرسم والتصوير والتصميم وفن الحفر والطباعة والنحت والخط العربي، وهو في جميع تلك ‏الحقول، ظلّ وفيًّا لحريّته في البحث والتجريب والتجديد. ومع مجالاته البصرية المتنوعة، ‏سرعان ما نتعرَّف على المفردات والرموز الفنيّة التي شكّلت قسمات تجربته الفنيّة ولازمتها منذ ‏بداياتها الأولى، مثل مآذن المساجد وصلبان الكنائس، والآلهة النبطية، والحرف العربي، إضافة ‏إلى مظاهر الحياة التراثيّة والشعبيّة، والتي استطاع من خلال معاينتها وإعادة إنتاجها، الإنصات ‏إلى مخزونه التراثي بروحيّة معاصرة‎.‎

كانت مهمّة رفيق اللحام، الحاصل على وسام الكوكب من الملك الراحل حسين عام 1981، ‏وعلى جائزة الدولة التقديرية للفنون التشكيلية عام 1991، منذ انطلاقته المبكرة، كغيره من روّاد ‏الفن التشكيلي على الساحة العربية، مهمّةً صعبةً، ليس على صعيد التصدّي للفن الغربي أو ‏التعامل معه، بل كانت المهمّة شاقة في الوصول إلى الرُّؤية الوسطيّة بين "الأصالة والمعاصرة" ‏في مناخ ثقافي ما يزال يناقش جدليّة هذه المصطلحات حتى الآن‎.‎