شخصيّات إعلاميّة ‏"الحاج" مازن القُبَّج أشهر إعلامي زراعي عربي

عامر الصمادي

إعلامي ومدرب دولي ومترجم وكاتب أردني

 

 

قدَّم مازن القُبَّج البرنامج الزراعي "الأرض الطيِّبة" الذي استمرَّ حوالي أربعين سنة ‏وحظي بشعبية كبيرة لدى المزارعين وغير المزارعين، كما قدّم برنامج "مضافة ‏الحاج مازن"، ومن هنا أخذ لقبه (الحاج مازن). وتنوَّعت البرامج التي قدَّمها ‏وتعدَّدت؛ حتى قيل إنَّه كان صاحب أكبر عدد من ساعات البثّ عبر الإذاعة الأردنيّة، ‏وكان صوته علامة فارقة للإذاعة حقَّقت له شعبيّة خارج حدود الأردن. وهو معروف ‏بالمجال الإعلامي الزراعي على مستوى عالمي، حتى إنَّ اليونسكو منحته جائزتها ‏والتي لا تُمنح عادةً إلّا للدُّول

 

لا أظنُّ أحدًا من الإعلاميّين العرب احتلَّ تلك المكانة التي احتلّها الإعلامي الأردني ‏الراحل مازن القُبَّج، وأقصد هنا في مجال الإعلام الزراعي، حيث تخصَّص القبج ‏بتقديم البرامج الزراعية؛ وهو تخصص يندر أن تجده في محطات التلفزة نظرًا لأنه ‏يحتاج إلى فهم عميق بالزراعة وقرب من المزارعين، والأهمّ من ذلك القدرة على ‏تبسيط المعلومة بشكل يفهمها المزارع البسيط، خاصة تلك المتعلقة بالأسمدة والمبيدات ‏وغيرها من طرق الزراعة الحديثة، إضافة إلى أنَّ الكثير من المحطات الإذاعية ‏والتلفزيونية الخاصة تعتبر أنه ليس من واجبها تقديم برامج توعويّة أو تثقيفيّة في ‏بعض المجالات مثل الصحة والزراعة والدفاع المدني والجيش والأمن العام وغيرها. ‏

اشتهر الحاج مازن -وهذا هو اللَّقب الذي عُرف به- بلهجته الفلّاحيّة المميَّزة التي ‏أكسبته شهرة وشعبيّة لدى عامة الناس في الأردن والوطن العربي، فكان الكثيرون ‏يحبّون الاستماع إلى حديثه بلكنتِه المحبَّبة وأسلوبه المميَّز. كان رحمه لله صاحب نكتة ‏يرويها أو يصنعها وهو جاد بنبراته وتعابير وجهه، فلا يُدرك مَن لا يعرفه جيدًا إنْ ‏كان مازحًا أو جادًّا فيما يقول، وكان يحوِّل كل أحاديث الجلسات إلى حديث زراعي ‏لتوعية المستمعين بأهميّة الزراعة وفوائد الأشجار وأهميّة الحفاظ عليها.‏

ومن طرائفه التي كنتُ شاهدًا عليها طرفة حدثت في عام 1992؛ حيث اقترحتُ ‏والزميل لطفي الزعبي -من البرامج الرياضية- على مدير التلفزيون يومها المرحوم ‏محمد أمين إقامة مباراة كرة القدم بين فريقي المذيعين والفنّانين -دون أن يكون هناك ‏فِرَقٌ مشكَّلةٌ فعليًّا، فأُعجب محمد أمين بالفكرة ونقلها لوزير الإعلام الذي أمر بوضع ‏كل الإمكانيّات لإنجاحها، فتمَّ الترويج لتلك الفكرة بشكل يومي عبر التلفزيون والإذاعة ‏‏-وكان الهدف هو تحويل انتباه الناس عن جلسات مجلس النواب التي كانت مشتعلة بين ‏الحكومة والنواب وشكلت ضغطًا هائلًا على الحكومة- وفي يوم المباراة فوجئ الجميع ‏بحضور ما يقرب من خمسين ألف شخص لحضورها، وهو أكبر من قدرة استيعاب ‏ستاد عمّان الدولي، حتى إنَّ جزءًا من الجمهور جلسوا حول خطوط الملعب من ‏كثرتهم، وكانت مباراة تاريخية تألّق بها كبار نجوم الكوميديا فأصبحت وكأنها ‏مسرحيّة كوميديّة، المهم بالموضوع أنه تمَّ اختيار الحاج مازن للتعليق على المباراة، ‏وهنا كانت الكوميديا الحقيقيّة حيث أبدع بنقل صورة صوتيّة كوميديّة عن سَيْر ‏المباراة، وأذكر أنَّني كنتُ لاعبًا مع فريق المذيعين، وكنتُ أجري خلف الكرة التي ‏خرجت قرب مكان جلوس الحاج مازن -كان يجلس على الأرض على طرف الملعب- ‏وعندما رآني قادمًا نحوه قال بلهجته اللطيفة: "وهذا عامر الصمادي جاي يرمَح وَرا ‏الطّابة مثل الكِرْد، بَسّ وين، الطّابة بترمَح أسرع من عشرة زيُّه، لكنها طلعت على ‏الشجرة، والشجرة يا إخوان مهمّة ولازم نحافظ عليها..."، وبدأ يشرح عن أهميّة ‏الحفاظ على الأشجار والغطاء النباتي وتأثير ذلك على البيئة، والجمهور غارق ‏بالضحك حتى نسي المباراة. ‏

وُلد مازن شريف يوسف القبج عام 1936 في مدينة طولكرم، ودرس في مدارسها، ‏ثم أكمل دراسته في كلية خضوري الزراعية الموجودة في البلدة وحصل منها على ‏دبلوم زراعة عام 1955 وكانت هذه الكلية آنذاك بمثابة جامعة. ‏

والده شريف القبج كان أستاذًا تربويًّا ونائبًا برلمانيًّا في مجلس النوّاب الأردني، عمل ‏مدرِّسًا في عدة مدارس في الضفتين الشرقية والغربية، ثم انتُخب نائبًا عن منطقة ‏طولكرم عام 1967 وبعدها وقع احتلال الضفة الغربية وعطلت الحياة النيابيّة إلى أن ‏توفي عام 1985 رحمه الله. أمّا جدّه فهو الشيخ يوسف مصطفى القبج الذي كان ‏محاميًا شرعيًّا وأوَّل رئيس لبلديّة عنبتا عام 1922 ومناضلًا تحرُّريًّا ضدّ الاحتلال ‏الإنجليزي وعضوًا في الحزب العربي، وتعرَّض للاعتقال من قبل الإنجليز مع ولديه. ‏

 

حياته العمليّة ‏

بدأ الحاج مازن حياته العمليّة بالعمل مرشدًا زراعيًّا لمنطقة القدس الشّرقية/ وزارة ‏الزّراعة منذ عام 1955م ولغاية 1959م. ثم نُقل من وزارة الزّراعة إلى الإذاعة ‏الأردنية وعمل بها منذ 1/3/1959م وحتى وفاته في 15/2/2002، وكان قد أحيل ‏إلى التقاعد بتاريخ 16/9/1988 ثمّ أعيد للخدمة بتاريخ 17/9/1988م ليعمل مُعدًّا ‏ومُقدّمًا للبرامج الزّراعية في مؤسّسة الإذاعة والتلفزيون.‏

خلال عمله في الإذاعة، والذي بدأ بعد أشهر من انتقالها إلى مقرِّها الجديد في منطقة ‏أم الحيران، بدأ بتقديم برنامج صباحي يقدَّم في الساعة السادسة والنصف صباحًا وهو ‏برنامج "الأرض الطيِّبة" الذي استمرَّ حوالي أربعين سنة متواصلة وحظي بشعبية ‏كبيرة لدى المزارعين وغير المزارعين. كان المزارعون ينتظرونه لأنه كان البرنامج ‏الوحيد الموجَّه لهم، وكان يرشدهم إلى كل ما يتعلق بقضايا الزراعة ويسلط الضوء ‏على مشاكلهم ويتحدّث عن إنجازاتهم ويروِّج للكثير من المشاريع الزراعية الجديدة ‏ويبيِّن لهم حسناتها ويشجِّعهم على استخدام الأساليب الحديثة في الزراعة، وكان ‏محظوظًا بعمله في تلك الفترة مع شخصيّات أردنية تاريخية كانت تنظر للزراعة على ‏أنَّها مشروع وطني استقلالي؛ من هذه الشخصيّات رئيس الوزراء الأردني وصفي ‏التل الذي كان مديرًا للإذاعة، وجاء بعده عدد آخر من المدراء الذين ساروا على النهج ‏نفسه، فكان برنامج "مع المُزارع" لا يغيب عن البثّ أبدًا وتُسخَّر له الإمكانيّات، بل ‏وتمَّ اختيار التوقيت المناسب له بعناية، فكان يُبثّ قبل نشرة الأخبار الصباحيّة ‏مباشرة، وهي نشرة السابعة التي يحرص الأردنيون على سماعها بشغف.‏

بعد النجاح الكبير الذي حقّقه البرنامج الزراعي، فكَّر القائمون على الإذاعة وقتها ‏باغتنام شعبيّة مازن القبج وذلك بتقديم برنامج تحت اسم "مضافة الحاج مازن" -ومن ‏هنا أخذ لقبه الذي لازمة طيلة حياته (الحاج مازن)- وهو عبارة عن برنامج شعبي ‏جماهيري يعالج القضايا المعيشية الراهنة بطريقة حديث المضافات دون تعقيد أو ‏تكلُّف وبلهجات البلد المحليّة التي تمثل مختلف شرائح المجتمع ومكوّناته.‏

تنوَّعت البرامج التي قدَّمها وتعدَّدت؛ حتى قيل إنَّ الحاج مازن هو صاحب أكبر عدد ‏من ساعات البث عبر الإذاعة الأردنية بسبب رغبة الكثيرين بإشراكه في برامجهم أو ‏تقديم بعضها نتيجة العوامل التي سبق ذكرها، فكان صوته بذلك علامة فارقة للإذاعة ‏حققت له شعبية خارج حدود الأردن في الدول المجاورة، وكان له مستمعون يراسلونه ‏ويطلبون منه تغطية بعض القضايا التي تهمهم، ممّا زاد من شعبيّته.‏

 

العمل الفنّي

لعلَّ من أبرز الجوانب التي عُرف بها الحاج مازن هو حبّه للفن حتى إنَّ كاتبًا ومؤلفًا ‏كبيرًا مثل الأستاذ محمود الزيودي يقول عنه إنه كان يحبّ الفن أكثر من الزراعة، ‏وهذه المعلومة قد تشكل صدمة لمن عاصر وعايش الحاج مازن، فهو معروف ‏بالمجال الزراعي على مستوى عالمي، حتى إنَّ اليونسكو منحته جائزتها والتي لا تُمنح ‏عادةً إلا للدُّول، وكان هو استثناء بسبب تأثيره في هذا المجال. ‏

شارك الحاج مازن بعدد من الأعمال الفنيّة المسرحيّة والتلفزيونيّة، وكانت بدايته ‏بالمشاركة بـ"مضافة أبومحمود" التي كان يقدِّمها الفنان إسحاق المشيني (والد الفنانين ‏المرحومين نبيل وغسان المشيني) في الإذاعة الأردنية إلى جانب عدد من الفنانين ‏والإعلاميين مثل غالب الحديدي ونظمية الربضي وعبده موسى وغيرهم، وهذا ‏البرنامج كان من ابتكار رئيس الوزراء الأردني وصفي التل، وبقي يشارك فيه إلى أن ‏تمَّ نقل البرنامج إلى التلفزيون حيث قدَّمه الحاج مازن تحت اسم "مضافة الحاج ‏مازن".‏

كما شارك بمسرحيّة "الضباع" التي قُدِّمت عام 1972، ومثَّل أيضًا في عدد من ‏المسلسلات الكوميدية مع كبار الفنانين مثل أديب الحافظ ووليد بركات وأسمى خوري. ‏وشارك أيضًا ببعض المسرحيات التي قُدِّمت عامي 1981 و1982 على مسارح ‏مهرجان جرش، ويقول عنه محمود الزيودي: إنه "كان إنسانًا بسيطًا شعبيًّا يوصل ‏أفكاره للآخرين بسهولة ويُسر ويحبّ الفن أكثر من الزراعة".‏

ويقول القاضي سامر القبج، نجل الإعلامي الراحل مازن القبج، نقلًا عن والده ‏بخصوص مسيرته الفنيّة:‏

ومن أبرز برامجه مسلسل "حكايات أبو رجيع" التلفزيون الأردني (1970م) الذي ‏مثل فيه أدوارًا مختلفة، وهو يروي حكايات قبل خمسين عامًا. وقد كتبه نمر سرحان ‏وأخرجه صلاح أبوهنود.‏

واشترك في مسلسل إسلامي أذيع في مختلف تلفزيونات العالم العربي اسمه "أجنحة ‏الضياء" (1974م) كتبه أمین شنار، وأخرجه حسيب يوسف. واشترك في مسلسل ‏تلفزيوني ساخر، خاص بالأطفال اسمه "الحطّاب والجوهرة المفقودة"، كما اشترك في ‏فيلم سينمائي "فداك يا فلسطين" عام 1969 الذي أخرجه المخرج اللبناني انطوان ‏ريمي مع سناء جميل. ‏

ويروي الحاج مازن القبج کیف تطوّر المسرح الشعبي في الأردن فيقول: (أقنعني ‏الشاعر عبدالرحيم عمر أن نصنع مسرحًا شعبيًا. بعد أن اعتدنا تقديم مسرحيات أجنبية ‏لا علاقة لها بمجتمعنا، لكن واجَهَتْنا صعوبات بوجود كُتّاب مسرحيّات شعبيّة. وبعد ‏البحث استطعنا العثور على كاتب مسرحي فاجأنا. فهو شرطي لاسلكي في الأمن العام ‏وظيفته في الصحراء والأماكن النائية البعيدة. فكانت سلوته الوحيدة المطالعة. ‏عصامي، ثقّف نفسه بنفسه؛ وهذا الإنسان اسمه: محمود منصورالزيودي (مواليد ‏‏1945م في قرية غريسا/ محافظة الزرقاء)، وهو بدوي من بني حسن، كتب لنا ‏مسرحية "الضباع" (1972م) واكتشفنا أنها صالحة للمسرح وهناك مَن هذّبها ‏وطوّرها وأخرجها.‏

وقد قمتُ بدور البطولة فيها وهو دور (أبوعلي)، وأحداثها تدور عمّا حدث في شهر ‏أيلول الأسود وترمز إلى عائلتين متخاصمتين. وكان دوري دور الوسيط الذي يحاول ‏التوفيق بينهما، نجاح المسرحية هذه شجّع المسؤولين بعرضها داخل المملكة؛ لأنّ ‏جمهور المسرح ضحك وبكى. كما أنَّ السفير الكويتي حضرها هو والمستشار الخاص ‏لجلالة الملك الأستاذ صلاح أبوزید (وزير الإعلام فيما بعد)، وأُعجبا بها جدًا وتمنّيا ‏لو عُرضت في البلاد العربية. وقال أبوزيد: "إنَّ هذه التجربة الأولى من نوعها، ‏وكنتُ أتمنّى أن يراها أكبر عدد ممكن من الجمهور"). ‏

 

بدأ مازن القبج التمثيل في الإذاعة في أواخر 1960 في "مضافة أبومحمود" ‏المشهورة وهي برنامج شعبي أردني يومي وكان يمثل فيه دور شخصيّة قرويّة، أي ‏الفلّاح في الضفة الغربية.. واستمرّت هذه المضافة ثماني سنوات بشكل يومي دون ‏انقطاع، وعند افتتاح التلفزيون الأردني في العام 1968، بدأ يمثل في برنامج ‏أسبوعي اسمه "مضافة أبومفلح"، حيث ظهر بلباس الريف الأردني وأدّى عدة أدوار ‏وكان يبحث في مشاكل اجتماعيّة ويغلب عليه الطابع الفكاهي بالإضافة إلى الاشتراك ‏بمشاهد تمثيليّة في البرنامج.‏‎ ‎

ثم بدأت "مضافة الحاج مازن" لتستمر عشر سنوات متواصلة.‏

‏"مضافة الحاج مازن"، وسبقتها "مضافة أبومفلح"، هما من البرامج الشهيرة للتلفزيون ‏الأردني في سنوات البداية‎.‎

‏"أبومفلح" هو ذاته الحاج مازن، وهو المرحوم مازن القبج‎.‎

المضافة كانت عبارة عن تمثيلية مرتجلة (إلى حدّ كبير) تجري في جلسة عربيّة، وفي ‏كل مرّة يُطرح فيها موضوع محدَّد. وكانت من البرامج التي استمرّت لسنوات طويلة‎.‎

ولعلي خلال بحثي في سيرة الإعلامي الراحل لم أجد أبلغ ولا أصدق ممّا كتبه عنه ‏الكاتب الصحفي في صحيفة "الرأي" الأردني موسى برهومة، إذْ يقول:‏

‏(في ذلك الزمان الطيّب، كان ثمّة رجل يدعى مازن القبّج، أمضى أكثر من أربعين ‏عامًا وهو يطلّ على المزارعين ويقدّم لهم المشورة، حتى صار مرشدهم ‏الروحي‎ ‎وصديق أياديهم المتشققة وأرواحهم المعلقة بغيمة طافت بوادي الأردن، وفوق ‏تلة على أكتاف السلط، وسهول مادبا‎.‎

أربعون عامًا وأزيَد والحاج مازن يُخبر المزراعين كيف "يبحشون" في الأرض، ‏ويُبلغ الأمهات الطاعنات في الحب كيف يرصعن الزيتون، ويوصي المسؤولين خيرًا ‏بالأراضي "الزراعية الحمراء المعطاء الخصبة التي بتغلّ كل سنة"، ومحذّرًا من ‏البناء في غور الأردن الخصب، لأنّ ذلك "معناتو هذه الأراضي اللي كنّا ننتج فيها ‏الكَمِح والخضرة الغذاء ورغيف الخبز انحرمنا منها".‏

كان الحاج مازن قريبًا من نبض الأرض، لذلك كان خطابه يتمتع بالمصداقيّة وهو ‏يطلّ على الأردنيين برفقة "أبوسالم" و"أبوهاني" وتوهان، وربابة عبده موسى ‏و"أبوسرور" وسواهم من أقطاب المضافة الأبرار‎.‎

نذهب إلى زمن المضافة، محمولين على شغف الوفاء للحظة نادرة من لحظات ‏الاجتماع‎ ‎الأردني‎ ‎الذي كان لخير الناس، فنلحظ في ذلك الزمان أملًا أين منه إحباطات ‏الحاضر وأمراضه ومآسيه وانشطارات النفس التي مزّقتها الولاءات الصغيرة التي لا ‏تكاد تُرى بالعين المجرّدة؟‎!‎

ولو سُئل كثيرون عن ذلك الزمان الجميل لفضّلوا الإقامة فيه، لا يبرحونه أبدًا، رغم ‏أنهم يعيشون الآن في "رخاء" أزمنة الفتوحات العلمية والثورة التكنولوجية وانفجار ‏عالم الاتصال الذي حوّل العالم إلى غرفة صغيرة، بل إلى حيّز لا يعدو أن يكون أكبر ‏من جهاز هاتف محمول‎.‎

كان كلّ شيء في ذلك الزمان صافيًا منقّى من سموم الحداثة، وكأنّ كل تقدُّم يستبطن ‏في أحشائه توحُّشًا من نوع ما، وكأنّ كل رفاهية هي بالضرورة نتيجة لشقاء آخرين، ‏وما أكثر الأشقياء في الزمان الراهن الذين لا يجدون كسرة خبز في "باطيتهم" لأنّ ‏الفساد زحف بأذرعه الأخطبوطية واستولى على الغِلال، ولأنّ الكراهية تفشّت ‏كالكوليرا وأعطبت النفوس، ولأنّ الأنانية خيّمت بظلِّها الأسود الثقيل وأزاحت الإيثار، ‏ولأنّ القيم تمزَّقت فصار الفساد شطارة والرّشوة مهارة والكذب فهلوة، والإخلاص في ‏العمل هَبَلًا، وطأطاة الرؤوس تواضعًا، والصمت على قهر الزمان حكمةً).‏

 

التقدير على المستوى المحلّي والدّولي

حظي الحاج مازن بتقدير كبير محليًّا ودوليًّا على برامجه الزراعيّة التي اعتبرتها ‏المنظمات الدولية المعنية بالتنمية والزراعة والغذاء عاملًا أساسيًّا في إيصال أفكارها ‏إلى الناس كافة، وخاصة المزارعين الذين يصعب الوصول إليهم في مزارعهم، فكان ‏أن حصل الحاج مازن على تكريم وتقدير من عدد من المنظمات منها: ‏

التقدير على المستوى الوطني:‏

‏-‏ مُنح وسام الكوكب الأردني من الدرجة الثانية، 1988.‏

‏-‏ مُنح وسام الاستقلال الأردني من الدرجة الثانية، 1984.‏

‏-‏ مُنح وسام الاستقلال الأردني من الدرجة الثالثة، 1974.‏

‏-‏ مُنح العضوية الفخرية في نقابة المهندسين الزّراعيين، 1987.‏

‏-‏ مُنح درع نقابة الأطباء البيطريين تقديرًا لجهوده في المجالات الزّراعية ‏والثروة الحيوانية، 1972.‏

‏-‏ مُنح الميدالية الذّهبيّة من منظمة الأغذية والزّراعة للأمم المتحدة، 1988. ‏

أحيل القبج إلى التقاعد عام 1988 بسبب بلوغه السن القانونية للتقاعد بحسب نظام ‏الخدمة المدنيّة، لكنه أعيد في اليوم التالي للخدمة بنظام المكافأة، وهي من المرّات ‏القليلة النادرة التي يتمّ بها ذلك، تقديرًا لدوره وخدماته الجليلة للإعلام الوطني. وبقي ‏على رأس عمله إلى أن توفاه الله في عمّان بتاريخ 3 ذو الحجة 1422هـ الموافق ‏‏15/2/2002م ودُفن فيها.‏

تمّت تسمية شارعين باسمه؛ الأوَّل في العاصمة عمّان في منطقة طارق بجوار ‏مستشفى الملكة علياء، والثاني في محافظة الزرقاء.‏

 

التقدير على المستوى الدولي:‏

حصل على جائزة اليونسكو للاتصال الريفي لعام 1991، وهي جائزة مخصَّصة ‏لمكافأة نشاط مبدع جدير بالتقدير يهدف إلى تحسين التواصل داخل المجتمعات الريفية ‏في البلدان النامية بصورة رئيسة، وهي أول جائزة دولية يحصل عليها مواطن عربي ‏من منظمة اليونسكو وهذه الجائزة لا تمنح إلا للدول، فقد حصلت عليها: جمهورية ‏الهند (1985)، جمهورية الكونغو (1987)، جمهورية كولومبيا (1989)، ‏جمهورية كوبا (1989). ‏

وحصل عليها مازن شريف القبج (1991)، وهي عبارة عن شهادة تقدير ومنحة ‏ماليّة مقدارها عشرين ألف دولار أميركي ودرع تكريم.‏

رحم الله الإعلامي الكبير الحاج مازن القبج وغفر له وجعل سيرته المهنيّة نبراسًا لكل ‏الإعلاميين الجدد الذين يبحثون عن التميُّز ونشر رسالة الإعلام الهادف والجاد وخدمة ‏مجتمعاتهم بما يعود عليها بالفائدة، وأدعو كل الجهات المعنيّة بالإعلام والزراعة إلى ‏أرشفة تاريخ مازن القبج وحفظه للأجيال القادمة للاستفادة منه.‏