أم كُلـثـوم، نِعمةُ الغِناء العَربيّ

( 1898 - 1975م )
السِـــــت، أخت الهَرَم والنِيل..!!
أيمن عبد السميع حسن
كاتب وباحث، عضو اتحاد كُتَّاب مصر
Aymen2821976@gmail.com
هنا، تضيقُ المساحات، مهما رَحُبت، عن استيعاب مآثر العظماء الذين مرّوا ولا يزالون، فوقوفاً على أطلال الذاكرة، يَحسنُ بنا أن نقومَ بتطوّافٍ معرفيّ، نُخبر فيه العَالَم، على عَجلٍ؛ من هـــي السِت أم كُلثوم..؟!
أم كلثوم كانت تتنفَّسُ الشّعرَ، تتحدَّث بالشّعر، وتخيط به أردية الصبايا، والعجائز، والشيوخ، والأطفال، وتصنع منه الأمصال الوقائيّة المُثلى ضد أمراض الحقد والكراهيّة وحُب الذات، فطارت قصائدها عالياً، تُحلّق في عَنان السماءِ، موشاة ببريق الذهب والفضة..!!
عُرفت بـ" ثُومة"، والسِتَ، وسيدة الغناء العربيّ، شمس الأصيل، وهي من هصرت أغصان البلاغة هصراً، وارتشفت رحيق الجمال حتى تغلغل رضاب اللغة إلى خلايا الطبيعة الأصيلة، لُقّبت بصاحبة العِصمة، كوكب الشرق وقيثارته، فنانة الشعب، صاحبة الحنجرة المثقفة، والصوت الكريستاليّ المجدّد، الذي يجمع بين التعبير والطرب، كانت إذا غنَّت تُورق الآمال في القلوب، وتُجري الحياة في الصدور، ويسري شجنها في الجوارح مَسرى الدم في العروق، تُغني بجوارحها قبل صوتها، لها فيوض عديدة من المواهب الربانيّة، ما إذا غنت، تنتصر للحياة، ويتوقف الزمن، ويذوب المكان، ولا يبقى غير اللحن والكلمة، حتى اللحن والكلمة يتبدّدان ولا يبقى غير قصة الحُب الخاصّة بالمستمع، في صوتها قوّةُ الأسر وجلال المعنى، وحُسن السلوك، وروعة الأداء، وسمو العاطفة، وخصوبة الخيال، فيه- أقصد صوتها- فلسفةٌ تتجمّل بطابعٍ خاص في المُناجاة الوجدانيّة، تُنشد القصائد كمآذنٍ ألَفتْ مَراثي الرّيح، أيضاً، كانت تُغني على أوتار أنين العُشَّاق ومواجعهم، قِيل: إنَّها أنطقت عوالم الصمت في الشِعر العربيّ، فكشفت عن المعنى المسكوت عنه، وأبانت عن ذلك بعبقريّة فريدة لا تتكرر كثيراً، كما أثبتت أنَّ قدرات الصوت والموسيقى أعرق في الدلالة من حدود الكَلِم، كانت "ثومة" ناعمةً كنسمات العطر، مُبهجةً كسنابل القمح، طيّبةً كأشجار التوت، يَضوع المسكُ من صوتها الجهوريّ الهادر، جذورها أصيلة المنبت كأنَّها "الخريطة الجينيّة" لهذا الشعب المصريّ العريق، هي أيقونة السعادة، كان سعيها الدائب نحو الحياة ينشر الخير والنُبل والشرف، قل فيها ما شئت، فأنتَ في كل المواضع مُحقٌّ وصائب..!!
من الصعوبة بمكانٍ اختزال تجربة فنيّة واسعة كتجربة أم كُلثوم في مقال، خصوصاً أنَّها عاصرت حقباً ومحطاتٍ تاريخيّة مختلفة، فهي ضمن أبرز رموز مثقفي مصر والعالم العربيّ المعاصرين.. فعلت في الغناء العربيّ مثلما فعل محمود سامي البارودي في الشِعر العربي في بواكير عصر النهضة، وما فعله محمود مختار في الفن التشكيليّ الحديث، وما فعله سيد درويش في الغناء الوطنيّ الشعبيّ، ومثل كبار الساسة والزعماء في مصر، سعد زغلول ومصطفي كامل ومحمد فريد، نعم؛ لأنَّها كسرت الأعراف السائدة في الغناء العربيّ.
كما لا أريد هنا أن أتحدث عن السيرة الذاتية المعتادة لأم كُلثوم (1898- 1975م)، فقد عرفها الجميع، وتحدَّث عنها الكثيرون، بل سأتحدث عن فنِّها وجماله ومتعته..
بصوتٍ ينبض قلبه بالنار المتأججة، أتت علينا ابنة قرية (طماي الزهايرة- محافظة الدقهلية) التي هزَّت جدران الأغنية العربيّة بكلمات جديدة، ومقامات صوتيّة غير مألوفة، الصوت الذهبيّ الذي راح يجوب العالم فيما بعد، يجمع الذهب للمجهود الحربيّ، فكان لها في انتصارات أكتوبر(1973) يدٌ طولى.
أم كُلثوم، هي سيّدةٌ، محافظةٌ، وقورةٌ، ثيابها ترتبط بالطابع المحافظ، ذات الأكمام السابغة، تعكس مفهوم الأناقة، فكانت العباءة العربية عليها هي الهيبة والوقار..
بدأت مسيرتها بتلاوة القرآن الكريم في قريتها آنذاك، وأنشدت قصائد المدائح النبويّة في الموالد الشعبيّة، كما حفظت الكثير من عيون الشعر على يد والدها الشيخ "إبراهيم البلتاجي".
لقد أنطقت أم كُلثوم عوالم الصمت في الشِعر العربيّ، بصوتها المتهدج المزحوم بتراتيل الشجن والغارق في وحشة العطش ونوازع الشوق اللاهث، وغنّت – فيما بعد- قصائدَ لأساطين الشِعر قديماً وحديثاً.. تساقطت عليها فيوض عديدة من المواهب الربانيّة، فعندما تغنّت ببيت أبي الفراس الحمداني، قالت فيه:
معللتي بالوصل والموتُ دونه إذا متُّ ظمآنَ فلا نزل القطرُ.
قامت الدنيا ولم تقعد، حفاوةً بتلك المبدعة التي تعزف على أوتار القلوب.. هي الصوتُ الطريُّ حتى النسيم، النديُّ البهيُّ، الأثيريُّ، الآتي من خلف طبقة شفافة من الضباب، الهامس المداعب كضوء الشمس في صباحات ريفيّة ربيعيّة، والمسائيّ المتخافت، يظلُّ ينبض بالحياة بطبقاته الأليفة الطالعة، يقظٌ، سعيدٌ، مجروحٌ في وقتٍ واحدٍ، يوحي لكلِّ مستمعٍ أنَّه يتوجّه إليه ويخاطبه وحده دون غيره، يغاير كل الأصوات التي زامنته، ومع مرور العمر وتمكّنها من صنعتها، صرنا نرتشف من رضابها، حتى تذوب آلامنا وتصير حياتنا وأحلامنا دانية القطاف، مذللة الثمار، سخية العطاء..!!
وُصفت بصاحبة الحنجرة المثقفة، التي تجمع بين التعبير والطرب... كما قِيل أيضاً عن صوتها: هو الراحة الوحيدة وسط الشقاء العربيّ، غنَّت للوطن وللحبِّ؛ لأنَّها إحدى علامات المحبة، التي تمنحها الحياة لنا بين وقت وآخر، من خلالها استطعنا أن نتحمل – عبر صوتها- مشاق الحياة التي لا تنتهي.. ننعتها بـ " السيّدة الراقية"، عندما ينبلج صوتها وسط عتمة القلوب المهزومة، نهرع صوبه، نفرغ في آنيته مواجعنا المتقطعة، فينقذنا بدوره من الاستسلام للأمر الواقع... هو ربما يحمل الكثير من الوهم والقليل من الحقيقة، لكن عبر هذا الملجأ الوديع نهرب من الحقائق المريرة الشريرة.. إلى المحبة والسلام..
تقف "ثومة" على خشبة المسرح في ألق، مرسوم على وجهها سمت الحضارة، وفيض النيل المبارك، تتحلى بأنوثة وثقة الملكة "بلقيس"... تربت بحنوٍ على الميكرفون أمامها، ترفع يدها؛ تحيي مريديها من الجماهير، فتلامس النجوم بهمسها، تشدو بقصائدها فتبكيهم من حرقة الوجد.. منديلها، رفيق أصابعها، تدغدغه، وتسرُّ إليه بأسرارها، تحنو عليه وتقسو عليه أحياناً، تضغط عليه فيستوعب أنفاسها، وانفعالاتها، وهي تشدو يمتصُّ هذا المنديلُ عرقَ يدها الناتج من اضطرابها من الجماهير، فلقاء الجماهير الشهريّ تحسب له كلَّ مرةٍ ألفَ حساب..!!
وصفها العبقري الراحل( نجيب محفوظ ) عندما سألته إحدى المذيعات عن رأيه في كوكب الشرق، آنذاك، قال محفوظ، بعد تفكير: "أم كُلثوم، نِعمة الدنيا.."!!.
عام (1956)، كتبت مجلة " نيوز ويك" الأمريكيّة، عن أم كُلثوم وصوتها، ورد في المقال: "صوت أم كُلثوم هو المفضّلُ والمحبوبُ في جميع أنحاء الشرق الأوسط.." واصفةً إيّاها بأنَّها "ملكة بلاد العرب"، لتضيف إلى ألقاب أم كلثوم المصريّة والعربيّة، لقباً عالميّاً جديداً..
لم تكن "ثُومة" مجرد مطربة، بل كانت مثالاً للفنانة المثابرة المجتهدة، التي شغفت بالنغم، وراحت تكرّس حياتها لأجل الكلمة، البسيطة الصادقة، واللحن المؤثر المعبر، حتى تحوّلت إلى "أيقونة" فنيّة فريدة، غنّت للوطن والحب والطبيعة ولجمال اللحظة، وغنّت للتضحيّة وللإخلاص وللتسامح.. كان صوتُها يجمع بين الرقّة والقوّة، صوتٌ جهوريٌ صادح، استطاعت صاحبته أن تعزّزه بكلماتٍ وقصائدَ مناسبةٍ لعدد من الشعراء المعروفين..
( ليلة الخميس الأول من كلِّ شهر)، هي كلمة السرّ بين الجماهير العربيّة وبينها، الموعد الوحيد الذي يحلّق حوله الوجدانُ العربيّ، على اختلاف الميول والمشارب والأذواق والأعمار والهوايات.. فمن مسرح حديقة الأزبكيّة، أو من "دار سينما ريفولي" مصر، ينطلق صوتها الحادي، يجود بأنفاس الحب (يا حبيبي كلُّ شيء بقضاء/ ما بأيدينا خُلقنا تعساء)، الكلمات تأتي بهدوءٍ في البداية، ثم بقوّةٍ، ثم بتدفق لا متناه، نرى السِتّ وهي تنشئ المعاني إنشاءاً، نعم، لقد اقتحمنا صوتُها من مذياعٍ قديمٍ بمقهى "الفيشاوي" في حي الحسين محمولاً على رائحة الشاي والزنجبيل، وخبطات قشاط الطاولة، و"قرقرة" النارجيلة، تشدو بكامل نشوتها ولوعتها، حقاً، هو صوتٌ له قوانينه الخاصّة، يحمله الهواء ليستقر في الوجدان دون استئذان..
غنّت شعراً فصيحاً لشعراء من التراث العربيّ القديم، قصائد لأبي فراس الحمدانيّ، وابن النبيه المصري، وابن الفارض، وصفي الدين الحليّ، والعباس بن الأحنف، والشريف الرضي، كما ترنمت بقصائد الشاعر الأمير عبد الله الفيصل من السعودية (ثورة الشك، من أجل عينيك)، وللشاعر اللبنانيّ جورج جرداق (هذه ليلتي)، وللشاعر السوداني الهادي آدم (أغداً ألقاك)، وللشاعر السوري نزار قباني ( أصبح الآن عندي بندقية)، وللشاعر الكويتي أحمد مشاري العدوانيّ (شدا لك المجد وظفر، يا دارنا يا دار).. وغنّت (الرباعيات) لعمر الخيام الشاعر الفارسيّ، كما غنّت ( حديث الروح) للشاعر الباكستانيّ محمد إقبال..
تبارت الأقطار العربيّة من قادة وزعماء وملوك العرب في تكريم أم كُلثوم؛ لمكانتها التي سكنت في القلوب، فنالت تكريمات عديدة، نذكرُ منها:
- وسام الرافدين العراقيّ من الدرجة الأولى عام (1946).
- وسام الاستحقاق السوريّ عام (1955).
- وسام النهضة الأردنيّ من الملك الحسين عام (1958).
- سوار من الذهب الخالص مرصع بالماس من ملك المغرب محمد الخامس عام (1958).
- وسام الأرز الوطنيّ برتبة " كوماندز " عام (1959).
- كما أهدتها دولة تونس وسام وقلادة الجمهورية الأكبر عام (1968).
- نجمة الامتياز التي قلّدها لها سفير باكستان بالقاهرة بعد شدوها بقصيدة (حديث الروح) للشاعر الباكستانيّ محمد إقبال عام (1967).
التفَّ حول أم كُلثوم الكثير من المؤلفين والملحنين، كانت تتوهج وسطهم، منهم: محمد القصبجي، زكريا أحمد، رياض السنباطي، أحمد رامي، أحمد شوقي، طاهر أبو فاشا، بيرم التونسي وغيرهم..
كما كانت حريصةً دائماً على الاسترشاد بآراء أصدقائها من كبار كتَّاب ومفكري عصرها، ومنهم: محمد التابعي، ومصطفي أمين، ومحمود عوض، وأنيس منصور، ومحمد حسنين هيكل وكامل الشناوي، وفكري أباظة..
ووقت أن تقدمت في العمر أبى الزمنُ أن يقترب من بريقها وحضورها.. لكنَّها إرادةُ الله، ففي الثالث من فبراير عام (1975)، غادرت أم كُلثوم الدنيا تاركةً لنا جواهر ولآلئ من أغنياتها تزداد إشراقاً، مع مطلع كلِّ لحظة.. عليها سحائبُ الرحمةِ والمغفرة.