أسوار

قصة: إسلام محمود

كاتب مصري

 

 

أو تظنني سعيدًا يا أبي؟

‏أبدًا

‏لقد حاولتُ مرارًا وتكرارًا

‏أنْ أنفضَ هذا القلم من الحبر

‏كما يُنفض الخنجر من الدّم

‏وأرحل عن هذه المدينة

ولو على صهوة جدار

‏(محمد الماغوط)‏

‎ ‎كل ليلة يُصدر صوتًا أشبه بسعال مكتوم يعلن به قدومه، تهتزّ الصورة، يُطلُّ برأس ‏دون ملامح، يظهر وجهه مبتسمًا ثم يبدأ في الظهور شيئًا فشيئًا حتى يخرج بكامل ‏هيئته، كنتُ أعلم بميعاد خروجه ولكنّني كنتُ أتظاهر بالنوم حتى يأتي ويربت على ‏كتفي كي أستيقظ، نتحدَّث ونثرثر كثيرًا، ثم حين يخترق شعاع الضوء الأبيض النافذة ‏يدخل مرّة أخرى إلى الصورة. غاب فترة ولم يأتِ ولا أعرف السبب إلى الآن. يدقّ ‏الهاتف ولا أدري أيضًا علاقة أن يدقّ الهاتف بدخول عمّتي إلى الحجرة وقولها أجيبي ‏الهاتف يا بنتي هو مريض "اعملي معروف". أضغط زرّ الإغلاق بعصبيّة وأنتظر ‏قدومه من حيث يأتي كل ليلة...‏‎ ‎

تركتني عمّتي وجاء الليل. أسمع طرقات متوترة على النافذة الزجاجيّة أعتقد أنني ما ‏زلتُ داخل تفاصيل ذلك الحلم المرعب، يزداد الطَّرق يتحوَّل شيئًا فشيئًا إلى طرقات ‏عنيفة متتالية، أنظر خلسة من تحت الغطاء لأجد وجهه خارج النافذة يلوّح لي بيده، ‏وأشعر أنَّ شيئًا ما يعرّي ظهري، وأشعر بلسعات الهواء البارد تخترقني من أسفل، ‏أقوم فزعة أسير وأتخبَّط في الظلام، أسمع وأرى دموع أمي على وسادتها المختلطة ‏ببعض الكحل، يلوّح مرَّة أخرى ويمضي، ثم تتكرَّر الرؤية    وتزداد سرعة النقرات ‏وشدتها، فأعدو إلى الخارج لأنام في حضن أمي.‏

‎ ‎في الصباح سمعتُ، وأنا أسير ملتصقة بأمي، تلك العجوز التي تجلس على المصطبة ‏بجوار بيتنا كانت تقول لصاحبتها في الرُّكن المقابل بعدما شيَّعتنا بنظراتها الحادة: ‏‏"الرّاجل أمه قعيدة ولم تتحمّل العيش معه، وفي آخر شجار بينهم قال لها: خذي ما ‏تشائين حتى المسمار داخل الحائط و.."، صمتَتْ حين نظرتُ إليها وأشارَتْ إلى ‏صاحبتها إشارات فهمتُ منها أنها ستكمل لها في الغد.‏

‏ ليلتها كنتُ أتأمَّل تلك الصور واحدة للتقديم بالمدرسة، وأخرى ليس لها علاقة ‏بالمدرسة؛ صورة رأتها أمي وفرحت وغنَّت "حبيبة أمّها"، وأخرى خبّأتها طويلًا هي ‏وسلسلة يتدلّى منها أول حروف اسمي، الصور زاهية الألوان وفيها كنتَ تحتضنني ‏بقوّة، لم أشعر بالخوف، ولكنّني كنتُ أنظر بترقُّب، أمّا أنتَ فنظراتك كانت مشبعة ‏بالأسى والحزن. فجأة خرجْتَ من إطارها وحاولتَ الحديث معي: "هيا لنلعب لعبة ‏مسلّية"، أنسى أنها صورة وأنتَ تنسي أنني لستُ بجوارك.‏

دعني أسألكَ وأرجوكَ لا تقل عنّي ثرثارة: ‏

‏"لماذا تبكي أمّي ليلًا وتضع خدّها على سور الشرفة؟ حينها أرى عمود الإنارة أمام ‏منزلنا يتأرجح، والضوء يخفت شيئًا فشيئًا حتى يتلاشى وتظلم الدنيا، أمضي نحوَها أقبِّل ‏يدها ورأسها، فيزداد نشيجها المتقطع، وأجذبها ناحيتي برفق وأحاول أن أربت على ‏رأسها المتعب حتى تنام.‏

أتعلم؟ بالأمس لم أجد الأطفال لألعب معهم، أخذتُ عروستي بشعرها المنكوش وذراعها ‏الخارج من ملابسها الممزَّقة، نظرتُ من فتحة سور النادي المقابل لبيت جدّي، وجدتُ ‏الصبية يلعبون الكرة، وأنا بنت لا أستطيع أن ألعب معهم، وجدتُ فتحات داخل السور ‏تسمح لي بتسلُّقه. تسلّقتُ السور ومشيتُ عليه وظللتُ هكذا "رايحة جاية". الصبيان ‏داخل النادي قالوا لي: (انزلي يا "عبيطة")، لم أستمع لهم، كرَّروا النِّداء مرات كثيرة، ‏ولكنّني كنتُ مستمتعة جدًا بما أفعل؛ أن أُبقي قدمي على حافة السور دون أن تنزلق، ‏وجدتني أدور في دوائر سوداء مرسوم بداخلها بعض الوجوه، مع الدوران رأيتُ وجه ‏السيدة التي تجلس أمام البيت ووجه صاحبتها، أغمضُ عينيّ وأحاول مسح الوجوه التي ‏لا أريد أن تظهر فلا أستطيع، أمي ما تزال تردِّد: "اتركي الأنوار موقدة، اغسلي ‏الأطباق، كفاكِ شرب قهوة، القراءة ستُذهب عقلك..".‏

وفجأة، وبينما أنا على تلك الحالة، ركل أحدهم الكرة بعنف ناحيتي فوقعتُ، كان عامل ‏المسجد يجلس تحت السور، جرى بسرعة ناحيتي وحملني ونادى على أمي كي تأخذني، ‏كانت رائحته كريهة ولكنها كانت تشبه رائحتك وأنت تُجلسني على رجلك وتنفث دخان ‏سجائرك‎.‎

نظرَتْ إليّ نظرة حادّة وقالت: "لا تفعلي ذلك مرَّة أخرى".‏

أتذكَّر حين أتيتَ تلك الليلة، كان المصباح الأصفر يرتعش ويتحرَّك بفعل الهواء القادم ‏من النافذة، وهذا يخيفني جدًا. أترى ذلك العصفور؟ تركه أقرانه وراح يزقزق منفردًا، ‏بومة تطلُّ برأسها الذي يتحرَّك في جميع الاتِّجاهات تفتك به، أسألك: "لماذا؟"، تردّ: ‏‏"لأنه عصفور والبومة تأكل العصفور"، أردّ بعصبيّة: "هل ذنبه أنه عصفور؟"، تردّ ‏بهدوء وثقة: "وهل ذنبها أنها تظلّ جائعة؟ وهل ذنب العصفور أنه خُلق ضعيفًا لا ‏يستطيع الدّفاع عن نفسه؟ ألم تدرسي ما يسمّونه التَّوازن البيئيّ؟"، صوتي يزداد حدَّة: ‏‏"نعم درستُه، ولكنه قانون غير عادل". وجدتني أشخص ببصري ناحية الشجرة مرَّة ‏أخرى، وجدتُ العصفور وقد كبر جناحاه واستطالت أظافره وأصبحت له أنياب ينهش ‏بها كلّ مَن يحاول الاقتراب منه‎.‎

‏- أرِني أصابعك ذات الأظافر المشوَّهة‎.‎

‏- ولِمَ؟

‏- لأنَّني نسيتُ شكلها حينما كنتُ أعدُّ عليها في مسائل الجمْع والطَّرح.‏

يستمرُّ الحوار، وتقاطعنا دقّات الهاتف. أنظر في الظلام لأجد رقم هاتفكَ الخلويّ. ‏أضغط على زرّ الإغلاق بقوّة. أقول بحدَّة: "ألم نتَّفق أنَّنا ننسى، دعنا نكمل ما بدأناه ‏في لعبتنا المسلّية..".‏

قلتُ له: "سأحكي لكَ قصة الصورة لأنك سألتني أكثر من مرَّة"‏‎.‎

‏"يومها دخلَتْ عمّتي تحضنني بقوّة (لأنها بغضّ النَّظر عن أيّ شئ آخر كانت صديقة ‏أمي). تُلبسني فستاني الأحمر، وتضع في شعري المنسدل وردة حمراء. "هيا نذهب ‏لنأخذ صورة". ترفض أمي بشدَّة خروجي من البيت، تستجديها عمّتي لأخرج معها، ‏توافق على مضض. أمسكتُ بيد عمَّتي وضغطتُ عليها بقوّة. وقفنا أمام استوديو ‏التصوير برهةً. رأيتُكَ قادمًا نحوي تهرول. خبّأتُ وجهي في ملابس عمّتي (لا أعرف ‏لماذا شعرتُ بالخوف منك؟!)، احتضنتَني وبكيتَ طويلًا، كانت يدكَ خشنة، ولكنَّني لم ‏أرَها قبل ذلك تعبث بمفتاح الباب الخارجي، ولم أشعر بها تربت على كتفي. نظرتَ ‏إلى عمّتي نظرة رضا. دمعَتْ عينا عمّتي وسحبتني من يدي وأنا في ذهول تام، ‏لننسحب من المشهد ونعود إلى البيت، جريتَ خلفي ملهوفًا وأعطيتني قطعتين من ‏‏"غزل البنات" وقلتَ بصوتٍ أشبه بالبكاء: "لعلَّ غزل البنات يشبه لقاءنا، فكلاهما ‏هشّ وتنفد حلاوته سريعًا".‏

‏***‏

ما يزال الهاتف يدق بإصرار يريد أن أجيبه، تدخل عمّتي أيضًا تستجديني كما في ‏سابق عهدها، وهو ما يزال يختفي ويظهر؛ مرَّة على الشجرة بجانب العصفور ‏والبومة، ومرَّة على السور الذي تسلّقتُه، ومرَّة أخرى على المصطبة بجوار السيدة ‏العجوز، ومرّات كثيرة يتشكَّل وجهه مع الوجوه والدّوائر التي رأيتُها وارتسمَت أمامي. ‏كل هذا لم يثِر دهشتي، ولكنَّني تعجّبتُ لأنَّ هذه المرَّة بالذات لم يدخل مرَّة أخرى إلى ‏الصورة بعد طلوع النهار، فكنتُ مستمتعة بحديثه، وهو لم يكن يريد أن ينسى أنه ليس ‏بجانبي، وتعجَّبتُ أكثر لأنَّ الصورة حين تأمَّلتها آخر مرَّة لم أرَ فيها سوى أشباح، ‏كأنَّها حُرقت في معمل التَّحميض، عندها أجابت عمّتي على الهاتف، وفجأة ألقته من ‏يدها وصرخَت: "أبوكي ماااااات".‏