حلم التلاقي وعبثيّة الوجود‎ ‎في "حرائق حلم" ‏

للكاتبة الأردنية "إنتصار عباس"‏

محمد عطية محمود

كاتب وناقد مصري

 

 

تشكِّل القصص القصيرة جدًّا أو الموضات السردية ملمحًا مهمًا من ملامح الكتابة القصصيّة ‏الجديدة، وتفتح أبوابًا مهمّة لتغيير سُبُل التعبير المعتادة، فالمهارة اللغوية هنا لا تكفي كي تقدّم تلك ‏الوجبة الدسمة المختزلة في عدة أسطر أو كلمات، بل تعوزها عناصر عدّة لا تختلف عن ‏المعايير المعتادة للقصة القصيرة، وقد استطاعت الكاتبة إنتصار عباس في "حرائق حلم" أن تقدِّم ‏صورًا مكثَّفة ومختزلة لحالات خارجة من عتمة الوجود الداخلي للذات إلى براح التعبير المقنَّن ‏بلغة النص السردي القصير، عبر تشكيل سريالي تمثَّل في جملة قصصيّة مانعة تعطي صورة ‏شاعريّة ومشهدًا سرديًّا مكتملًا.‏

‏"لا يستطيع الإنسان مطلقًا أن يتوقف عن الحلم"‏

باولو كويلو

عندما تتشبَّع الكتابة القصصية بروح الشعر، تصبح الجملة أكثر اتساعًا للتأويل وانزياحًا في براح ‏المعنى، لتميز فن القص الذي يعتمد على حمولات أكثر تركيزًا وأكثر حساسية تستقي من الشعر ‏شاعريته وذهابه إلى الهدف المحدد له من أقصر الطرق، ملتحفة بعنصر الحكاية الذي يزيد ‏القص رونقًا ونصوعًا ومقدرة على تقديم رؤيته المغايرة للعالم من حوله دونما إطناب أو ‏استرسال أو استعراض لمكنونات المعنى وظاهره، وحيث تلعب اللغة هنا دورًا بالغ الأهمية ‏كوعاء يحتوي تلك الرؤى الحالمة/ الرومانسية المغرقة في التماس موضوعات وجدانية، ربما ‏اشتغلت على الحالة الباطنية المختبئة داخل خلجات الذات، وكرّست لها. وربما اختلط هذا المزيج ‏المضفر من تلك العناصر التقنية، بتلك النزعة العبثية/ المفارقة التي تحف النصوص لتجعل منها ‏توليفة يتقابل فيها المتناغم والمتعارض لتصنع لوحات دالة على الوجود ومتشبعة بتناقضاته التي ‏تصنع الحياة، مما يجعل هناك اشتباكًا دائمًا محفوفًا بالجدل النفسي والذاتي، ومشتغلًا بعناصر: ‏الحلم والأمل والترقب والانتظار.. التي تشكل بداخلها معادلة تتفاعل كي تنتج المزيد من القلق ‏والتردد بين التحقق والإحباط.‏

ربما كان هذا المدخل مهمَّا للولوج في المجموعة القصصية "حرائق حلم"(*) للقاصة والكاتبة ‏الأردنية "إنتصار عباس"؛ فبداية من عنوانها الدال تبدو لنا شاعرية التركيب وتضفيره بين ‏المادي في الحرائق، والمعنوي في الحلم، وتكريسًا لهذه الحالة غير المعتادة التي تنحو نحو العبثية ‏والكابوسية في محتوى العنوان المربك، ليكونا معًا مزيجًا دالًا على اشتغال قصص المجموعة ‏على ثيمة الوجدانيات المحترقة، والتي ترصّع في عمومها ودلالات وجودها ودورها الفاعل في ‏متن النصوص السردية جُلّ العناوين الداخلية لنصوص المجموعة؛ لتكون دائمًا هناك علاقة بين ‏مكوّنات العنوان، وبين ما تطرحه متون النصوص، سواءً من عتباتها التي تؤكد على تلك ‏الشاعرية في التناول، والجنوح نحو اشتعال تلك العلاقات الداخلية بجدل الفكرة وجدل العلاقات ‏الملتبسة بين حدّي النص أو حدوده المتعددة (شخوصه) أو تفاصيلها.. ‏

ففي نص "أحلام ستار" تبدو تلك الافتتاحية التي تجسد معاناة العجوز في انتظار من يطفئ ‏شوقها باللقاء، فتبدو العلاقة بين ستار النافذة والحلم بهذا الغائب، علاقة العنوان بين مفردتيه ‏الحالمتين أو العائشتين في وهج الحلم: ‏

‏"تحدِّق في البعيد، تنتظر ذلك القادم من رحم الغيب، نسمة باردة تهز جوانحها، حبات مطر ‏ترشح على الزجاج، تحدّث نفسها: عاد المطر يسكب عطره في الأجواء، ينشر روائح اللوز، ‏وتغلق النوافذ، صوت فيروز"(حرائق حلم، ص27).‏

وهكذا تبدو البداية مشتعلة بالحلم ورومانسية المفردات التي تعانق حالة الشوق والانتظار، وتجعل ‏من العلاقة السديمية علاقة من نوع آخر مع السِّتار الذي يحول بينها وبين العالم، وتقع معه في ‏حالة عشق وهيام تستعيض بهما عن غياب المحبوب، لتضع أسباب العلاقة بين السِّتار وبين الحلم ‏المتجسِّد فيه، رغمًا عن النهاية المحبطة، ليلعب النص على وتر الحالة الإنسانية الأسيانة التي ‏تضمخها بالعبارات الصافية والاستعارات والمجازات التي لا تقتلع من الشِّعر ولكن من شاعرية ‏الحالة.‏

كما تبدو رومانسية الحالة القصصية من خلال نص آخر هو "حكاية أصابع"، حيث يقود العنوان ‏المكوَّن دائمًا من مفردتين مرتبطتين تؤنسنان بعضهما بعضًا على نحو التقارب والاندماج لوحدة ‏تريد صنع حالة قصصية فنية تتبارى فيها الكلمات والألوان في نسق شجي، يحرك الكوامن ‏ويلعب على سيريالية الصورة التي تؤنسن مشاعر الجماد حين تستنطقه:‏

‏"اعتاد أبي رشق الألوان على الجدران والنوافذ، تصحو أحلام أمي تمطر الحديقة، وتلك تمتد ‏حتى غدت واحدًا منّا، ذات صباح رشق قهوته على الجدار وبأصابع ملهمة بدأ ينشر الألوان ‏فخرجت شجرة، ثم شجرة، صار بيتنا بستانًا، والمدرسة فرحة عيد، داهمنا الموت وسرق ‏أصابع أبي، أحلام أمي، وتوقف نبض الحديقة والألوان عن الجريان"(ص37، 38).‏

تقدِّم هذه الصورة الشفافة، لهذا العالم الرومانسي المختَرَع من خلال براءة المعنى والألوان التي ‏أصبحت كائنات في ظل الحلم، ثم جاءت أصابع القدر كي تمحو كل الآثار الجميلة، والتي تحولت ‏إلى واقع بفعل سحر الكلام، إلا أنَّ الإجهاض يسم كل شيء يعترض على حالة الفناء التي تؤول ‏إليها كل الأشياء، كفلسفة وجود تقنع بذلك على الرغم من مرارته، فهنا يلعب الاختزال والتكثيف ‏دورًا بالغًا لإحالة الحالة على الواقع ربما برموز الحلم التي تتوازى مع رموز: العطر والشجرة ‏والعالم الجديد الذي تحوَّل بفعل الجمال إلى بستان وغابة وفرحة، ثم انتهى إلى زوال، بحس ‏فلسفي يتناسب مع حالة الجمال المُشتهى.‏

كما تتعدَّد الصور الجمالية التي تطرحها النصوص من خلال نص آخر هو "زقزقة النهار" الذي ‏يحمل عنوانه براءة الملمح الرومانسي الدال على حلم مجهض ربّما لم يبشّر به العنوان، ولكن ‏تأتي به العتبة النصيّة التي تتمنّى وتقول: ‏

‏"ماذا لو جاء النهار وقدَّ من قلبك غيمة من قُبل..؟! ماذا لو جاء النهار وأمطرنا بالتلاقي، ‏كنت أنت الشمس وأنا المرايا نحرق كل أيام الفراق..؟! ماذا لو... ماذا لو"(ص43).‏

تتوازى الصورة الشاعرية هنا مع صوت الحكاية التي يود النص أن يقدمها طازجة بين يدي ‏قارئه، حيث يبدو الاتكاء على "ماذا لو؟" مؤكدًا على مدى التعلق بالحلم والتمسك به على الرغم ‏من تفلته، ومدى استحالة الحدوث أو التحقيق ممّا يوحي بالكثير من المفردات التي يتسع لها ‏فضاء النص لتجترح قصة عشق ترمز لها بكلمات قلائل دالة على الانغماس، ومن ثم استمرار ‏حلم التلاقي والعناق الذي يعد من أبرز ملامح قصص المجموعة، حيث إنَّ القيمة الجمالية ‏والرمزية التي تهدف إليها تلك النصوص تسعى لتجاوز هذا الحيز الضيق من الآمال والتطلعات ‏إلى معانقة الجانب الشعوري الأكثر سحرية وتأثيرًا معنويًا لتنطلق فيه الخيالات المجنَّحة لتصنع ‏عالمًا قد تتحقق فيه هذه الطموحات والآمال: ‏

‏"لكثرة زقزقة جسده طارت يداه، كان يوصد الأبواب والنوافذ، وتلك تنفذ من ثقب الباب.. ‏لكثرة زقزقة جسده ذات نهار، صار نهرًا يسبح في المرآة"(ص44).‏

تلك الشاعرية التي يفيض بها النص، والتي تؤنس تلك الوحشة المحفوفة دائمًا بتغلب الحقيقة على ‏المجاز في صورة أثيرية متحولة في الفضاء تتنسَّم طعم الحرية ومذاقها الشهي على مذبح الأمل ‏في الانعتاق.. ذلك الكائن الأسطوري الممغنط بالحياة، العائش على أمل تحوُّلها وانحيازها في ‏صفِّه، والوقوف بجانبه، يتحوَّل لدى السرد الشاعري إلى كائن لا تحتمل خفته يتسلل لكي يكتمل ‏وجوده ومتنفسه في حركة مباغتة تؤسس لها شاعرية اللغة وتمثل ركنًا ركينًا من أضلاع النص ‏السريالي بامتياز: ‏

‏"تنحَّت خطواته للوراء، وبقيت الأصابع معلّقة في الهواء، تودع طريق العابرين، أقفاصها ‏تؤمم الحياة"(ص44).‏

هذه الصورة لعصفور/ معنوي، يتجسَّد أنات وأحلام الإنسان في صورة إنسانية -بالأنسنة ‏كعنصر سريالي مميز- تجسد الواقع النفسي والمادي معًا من خلال الانعتاق من الأقفاص التي ‏تمثل رمزًا ومعادلًا موضوعيًا للحبس/ الاعتقال داخل حيِّز أو مكان أو فضاء متكامل بكائناته ‏وطقوسه، أو داخل تلك البؤرة المعتمة التي لا يرى فيها الكائن/ العصفور/ الإنسان شيئًا من ‏مصيره المأمول، لتمثل فلسفة النص هذا المنعطف الجمالي للسيرة المشتركة التي تسم حياة الكائن ‏الحيّ في مجمله وفي رحلة تلاقيه مع رموز حلمه الغائب الذي يتقاطع ضمنيًّا مع كل تلك ‏التفاصيل.‏

عبثيّة الوجود

كما تأتي صورة من صور الحلم المجهض في نص "حنين" لتشهد على انتحار هذا الحلم المعنوي ‏على عتبة أهوال الحياة وعوارضها التي لا تستجيب للمغامرة، مغامرة الوجود القلق على سطح ‏الحياة، وهو ما يشي به ضمنيَّا هذا العنوان المؤلَّف من مفردة واحدة معبِّرة عن ازدياد الرغبة في ‏معانقة الحياة واستمرار الجريان مع تيارها المتدفق، والذي قد يكون منذرًا في الوقت ذاته بالنهاية ‏أو عدم تحقق هذا الحلم العنيد، فكل على موعد مع حلم تلاقيه، أو انتفاء هذا الحلم والانتهاء إلى ‏العدم كنهاية عبثية وحتمية في الوقت ذاته: ‏

‏"كان هادئًا، يبعث الحياة في النفوس، يبحر بالأحلام الكبيرة والصغيرة.. ضمَّت الصغير إلى ‏صدرها، طوَّقهما الأنين بذراعين من فولاذ، مضى الماء بهم، رمت الشمس بضيائها في ‏وجوههم المسافرة، تهتز صورهم في الماء تنذر بالموت القادم"(ص47).‏

تلعب الصور السردية هنا على المفردات الرامزة حيث يفتتح النص بالمضمر من القول بضمير ‏الغائب في "كان هادئًا"، بما يفتح باب التأويل لذلك الكائن الرامز إلى الحياة/ القارب/ البحر.. ‏الذي يحمل تلك الأحلام بالوصول على الرغم من المخاطر والأنواء وعلى الرغم ممّا ينتظر الأم ‏ووليدها من أخطار، وقد فروا من الخطر إلى الخطر، وقد أعطاهم الموج/ موج الحياة وتيارها ‏الساري المطمئن ظاهريًّا والحامل في طيّاته كل المفاجآت، وكل الأفعال العبثية التي لا تُحتمل، ‏والمراوغ بهذا ذلك الإحساس العبثي بالهدوء: ‏

‏"لكن الموج كان طمّاعًا، لم يكن ليكتفي بقبلة، بل عاد أكثر ضراوة وشراسة، يهزّ القارب ‏ويقترب.. علت الأصوات فزعة تستنجد: يا الله! لم يكن قلب الصغير ليحتمل كل هذا الشوق ‏الهائل وهذا الجنون، وكذلك الجميع ظنوا أنَّ الحياة ستبقى حياة ولن تخذلهم. أو علَّ أقدارهم ‏تُسكت البحر عنهم فيغدو يباسًا وينجون"(ص47).‏

هكذا تبدو التحولات شاهدة على العبث المجنون للحياة في دورة من دورات تقلبها وتفتيت حلم ‏النجاة والوصول، من خلال تقلبات أمواج الحياة التي تتوازى مع أمواج البحر الباطشة في ‏صورة من صور المعادل الموضوعي المبثوثة داخل النصوص كتقنية سردية لها تأثير بالغ، ‏وبتلك الفلسفة الرامزة المختلطة ببعض الوقائع الدالة على الوجود المادي وسط هذا الصراع للحياة ‏التي تحولت من بحر ساكن إلى بحر متلاطم الأمواج لا يرحم ولا يؤتمن كي يحقق حياة متوازنة ‏تركن إلى الدعة والاستسلام المريح لمعنى الحياة، دونما النظر إلى المقابل وهو الموت والتلاشي ‏والعدم والدخول في عبثيته العجيبة التي لا تقر شيئًا على حاله، لتكون النهاية الحتمية المستسلمة ‏لهذا العبث والجنون: ‏

‏"لكن الواقع كان أقسى من كل الظنون ولم يعد بمقدورهم فعل أي شيء، في الصباح كانت ‏أجسادهم تزهر ورودًا على وجه الماء كما تزهر الزنابق على شواهد القبور.. وراحت ‏أرواحهم تكمل الطريق"(ص48).‏

بهذه النهاية الشاعرية يبدو الرهان على حتمية تحقيق الحلم قائمة على مستوى الرمز والشعور ‏بتلك الشاعرية التي تنبثق من الأرواح وتلقي بظلها على النص وسارده الذي يسبغ على تلك ‏الكائنات بحياة موازية -بعيدًا عن ماديتها وانتصارًا لأحلامها المجهضة في مواجهة الوجود- وإن ‏كان من خلال العدم والانتهاء، لتقوم الأرواح –الباقية- بتكملة مشوار الوجود الحقيقي بدلًا من ‏الأبدان –الزائلة- بهذه الفلسفة العميقة من ناحية، وهذه الجمالية الفنية -من جهة أخرى- التي تكمل ‏الصورة الإنسانية بالبعد الميتافيزيقي/ الروحاني الذي يتسلل إلى هذا النص أيضًا ليكون موازيًا ‏للبعد السريالي الذي تحقق إلى حد بعيد من خلال النص السابق.‏

ظلال الحلم.. القصة الوامضة ‏

تشكِّل القصص القصيرة جدًّا أو الموضات السردية ملمحًا مهمًا من ملامح الكتابة القصصيّة ‏الجديدة، وتفتح أبوابًا مهمة لتغيير سبل التعبير المعتادة، فالمهارة اللغوية هنا لا تكفي كي تقدم تلك ‏الوجبة الدسمة المختزلة في عدة أسطر أو كلمات، بل تعوزها عناصر عدة لا تختلف عن ‏المعايير المعتادة للقصة القصيرة التي لا يختلف عليها اثنان، وفي هذا المتن القصصي ترتاد ‏الكاتبة هذا الحقل المهم والمحفوف بالمخاطر، تلك التي تتوازى مع مخاطر الإمساك بالحلم التي ‏شكلت ثيمة رئيسة في قصص ونصوص وومضات تلك المجموعة القصصية؛ ففي نموذج ‏‏"ظلال حلم" تقدم الكاتبة صورًا مكثفة ومختزلة لتلك الحالات الخارجة من عتمة الوجود الداخلي ‏للذات إلى براح التعبير المقنَّن بلغة النص السردي القصير، فنجد من خلال المقطع الأوَّل لتلك ‏الظلال الحُلميّة هذا التشكيل السريالي المتمثل في جملة قصصيّة مانعة تعطي صورة شاعريّة ‏ومشهدًا سرديًّا مكتملًا: ‏

‏"في الصباح كان يرسم عصفورًا وكنت أرسم ظلّه.. يطير العصفور، وتسير الظلال.. في ‏المساء تفتح الظلال صدرها للعصفور، ينام العصفور وتسكت الظلال"(ص73).‏

حيث يبدو الفضاء الحكائي لتلك الومضة متسعًا على حالة من البراح النفسي والوجداني لتلك ‏الكائنات التي تمثل عنصر البوح لدى السارد والمسرود عنه بهذه الديناميكية السردية القادرة على ‏إماطة اللثام عمّا يدور بالداخل المسكوت عنه، والذي تعبِّر عنه تلك الحركات الذهنية الممغنطة ‏بسحر السريالية، بالانزياح، مع مهارة إعطاء مساحة لتذويب الزمن وعدم الشعور به؛ كي تكتمل ‏تلك الومضة وتصل إلى تحقيق نقطة معادلة وجودها، بالصمت والعودة إلى الاستاتيكيّة ‏والسكون، بما يعبِّر عن دوران الحلم في فلك وجوده، وعدم اكتمال تحقيقه، كمؤشر على الثبات ‏والدوران المستمر في فلك الأحلام كعادة نفسية وذاتية ممعنة في الحضور، تكمل انسيابيّة ‏إجهاض الحلم أملًا في عودة تحقُّقه من جديد..‏

وهي الحالة التي نجدها في المقطع الثاني، والتي تلعب على ثيمة حلم التلاقي نفسها، ومن ثم ‏الاكتمال بتلك السمة الحلمية التي تتغلغل في تفاصيل الماضي لتجعل منها متكأ ومنطلقًا لاكتمال ‏تلك الصورة في الحاضر: ‏

‏"كنّا إذا تعانقت في الهواء أصابعنا صفق صوتك بجناحيه خفاقًا في خاطري، أجيئك وتجيء، ‏نسبق المسافة لنلتقي.. كنت وكنّا".‏

هكذا يبدو الشطر الأول من الومضة شاهدًا على حركة في زمان مضى بصيغة تثبيت الفعل في ‏الذهن كذكرى كانت، وكجرس تنبيه للحنين وكحلم/ رغبة في استعادة ما كان، من خلال الوعي ‏السريالي الذي يؤنسن الصوت، من جهة ويدخله في غمار التشبُّه بالطائر من جهة في جملة ‏مركبة بالغة التعقيد والدلالات ومشبعة بالصور النازفة التي تقطر من الذاكرة، ولكن المفارقة التي ‏يصنعها اختلاف الزمن تضع النهاية العبثية لذاك الحلم، بتثبيت الحاضر بصوره الحقيقية الشاهدة ‏على التحول وعلى عبث تلك المقابلة التي ترسخ في الروح تلك الحالة من التسليم والانهزام أمام ‏جسارة الحلم وعصيانه على اكتمال التحقق، فربما كان بين الزمنين المزيد من الأشياء والأحداث ‏التي سقطت بالتقادم وسكتت عنها النفوس الجريحة إمعانًا في تعظيم دورها في ما آلت إليه هذه ‏النهاية: ‏

‏"اليوم أودعتك روحي تمضي، فإذا ما التقينا، صدفة، كنت جسدًا خاملا بلا حراك، وكنت ‏مقعدًا في الشمس ملقى يصلبه فراقي"(ص73).‏

وهي الصورة التي لا يزال الحلم يحلق فيها مؤملًا بالتحقيق، في نصوص "حمى الانتظار" التي ‏تعد امتدادًا لصيغة الحلم وامتلاء به، والتي تكثف فيها الكاتبة هذه الحالة من الانتظار والترقب ‏على شرف الحلم المستمر/ حلم اليقظة الذي يمضي بها كي تنسج هذه الحالة من التخفي بين ‏حبيبين كل من خلف ستار وقناع، دون مواجهة حقيقية تتحرك فيها المشهدية السردية كي تحقق ‏ركنًا ركينًا من أركان الومضة الممتلئة بالحس والحركة والفاعلية: ‏

‏"يرقب النافذة أن تمرّ ظلالها في الشارع، ظنّه الناس تمثال شاعر ضمَّت الصبايا أشعاره إلى ‏صدورهن وهن يجلسن حوله يأخذن صورًا تذكارية.. كان غارقًا في النافذة.. وكنت أحلم أن ‏أكون هي!"(ص75).‏

يتشكَّل الفضاء النفسي هنا ليشعل حالة الحلم المتبادلة التي يعيشها الطرفان من خلال بوح الساردة ‏التي تقيم أركانًا لعلاقة مشتهاة تظل تنشد الحلم وتتغيّاها في مساحات من الأمل الذي يعضد حالة ‏الترقب والانتظار ويمدّها بوقود الاستمرار إمعانًا في الحلم، وهو الذي ربما يتحقق في المقطع ‏التالي من تلك النصوص على شرف تلك الديمومة والاستمرار: ‏

‏"مرَّ العمر وهي تكتب له، وبعد طول غياب جاءها الرد: لم يكن ليصلني البريد أخذتني الحياة ‏ولهفة الانتظار أرسلي صورك فقد مرّ زمن لم يطالعني وجه، حتى المرايا رحلت عنّي ولم ‏أعد أراني فيها"(ص75).‏

تلك الحالة الرومانسية المرتبطة بتحقق الحلم، وإن كان جزئيًّا، تأكيد على أهميّة الانتظار ‏والترقب، تلك التي تدفع الساردة كي تظل على عهدها وبقائها على محفّة الرغبة في اكتمال حلم ‏التلاقي، كي تداوم على حالة اللهفة التي يصنعها الشوق والتجدد الذي يوقظه الأمل: ‏

‏"طارت أصابعها فرحًا وهي تكتب له: أصبت بحمى الانتظار، ونقلت العدوى لكل ما حولي، ‏حتى ساعي البريد انتقلت إليه العدوى. زقزق الفرح في عيني ذاك الساعي وهو يردّ عليها: ‏غزالة الروح وأيقونة عمري.. آه كم أحبك.. سأهزم هذا الفراق وأعود.. يغمض عينيه يرى ‏الفرح في عينيها وهي تقرأه الرسالة، يأخذ نفسًا عميقًا ويوقع باسم ذاك الحبيب"(ص76).‏

ليتحقق الحلم في صورة ساعي البريد، وهو الأمر القدري الذي تسوقه لنا الحكاية التي بدا اكتمالها ‏في هذا الموقف العبثي الذي أتت به الصدف والظروف ليكون تحقيق الآمال وثمرة الانتظار من ‏خلاله، لتستمر تلك الشخصية على رومانسيتها وخيالها المتسع للمزيد من التحقق، ولتصير ‏نموذجًا لما يمكن تسميته "الحمى التي تجتاح الذات"/ النفس البشرية في الانتظار والترقب الذي ‏برغم مرارته لا تملّ منه النفوس، وليشكل الحلم ذاته وعيًا من نوع خاص للتنفيث عن حاجات ‏البشر، ولتنجح الكتابة إلى حد بعيد في إزاحة هذه الحالة على الواقع الذي لا يني يتوقف عن ‏حاجته للحلم كمعادل موضوعي لحالات الوجود الإنساني والذي ربما تحقق فيه ما لا يتحقق في ‏الواقع، والذي ربما كان إرهاصًا ومخاضًا لما يمكن حدوثه في الواقع.‏

وكما يقول "باولو كويلو": "لا يستطيع الإنسان مطلقًا أن يتوقف عن الحلم. الحلم غذاء الروح ‏كما أنَّ الأطعمة غذاء الجسم. نرى غالبًا خلال وجودنا أحلامنا تخيب، ورغباتنا تحبط، لكن ‏يجب الاستمرار في الحلم وإلا ماتت الروح فينا".‏

‏- - - - - - - - - - ‏

‏(*)حرائق حلم، مجموعة قصصية، إنتصار عباس، وزارة الثقافة الأردنية، 2020.‏