أسئلةٌ معلقةٌ على أجراسِ المواسم السياحيّة

جهاد الرنتيسي 

 روائي أردني

 

يحتفظ خيالُ الأردنيين بصورة الدجاجةِ التي تبيض ذهبًا عند حديثهم عن السياحة التي يؤمنون بوفرة إمكانيات نجاحها في بلادهم، لكنهم يصطدمون بقلة مردودها على أوضاعهم الاقتصاديّة، عجزها عن مراكمة منجزٍ حقيقيٍّ ومستدام كما هو حال بعض دول المنطقة، ويتعايشون في نهاية المطاف مع إحباطاتها، التي لا تخلو من إعادةِ تدويرٍ لأسباب الإخفاقات.

قد تكون سياحة الآثار الأكثر حضورًا في أذهان الأردنيين، ولذلك أسبابه الوجيهة بطبيعة الحال؛ ففي ما تركته الحضارات المتراكمة من عمونيين وآدوميين ومؤابيين وأنباط، ويونان ورومان وعرب وغيرهم، ما هو ملموسٌ ومحسوسٌ من المعالم المؤطِرة لسياقات حضور الجغرافيا في التاريخ، والقادرة على إثارة فضول السيّاح الباحثين عن مسارات تطوّر الحياة على الكوكب، والراغبين في محاكاة الثقافات المؤثرة في السلوك البشريّ.

تقاطعَ هذا الشكلُ من السياحة مع أشكالٍ أخرى تقترب منه بحضورها المكانيّ إلى حدِّ التماس، وعند الحديث عن هذه التقاطعات تحضر روحانيةُ "الدين والثقافة" لتمنحَ التاريخ فضاءاتٍ وأبعاداً مختلفة، فقد انضم "مغطسُ السيد المسيح" في تسعينيات القرن الماضي إلى جبل نيبو "الكثيب الأحمر"، وكهف "أهل الكهف"، وأضرحة الصحابة، ومقامات الأنبياء، المنتشرة في جنوب المملكة وشمالها، لتشكّل هذه الأمكنة إضافةً نوعيةً، بسبب من استقبالها أنماطًا أخرى من السيَّاح، ولم يكن توسيعُ هامش السياحة الدينيّة إلى أقصى مدياته هبةَ التسعينات الوحيدة، فقد أخذت السياحة الثقافيّة هامشًا من التاريخ، بتحويل بعض بيوت كتاب الأردن وشعرائه الكبار، الذين ذاع صيتُهم، إلى متاحف ومزارات.   

حقّقت التجربةُ الثقافيّة قدرًا من النجاح فيما يخصُّ بيتيّ الفيلسوف أديب عبّاسي والشاعر مصطفى وهبي التّل "عرار"، وتعثرت مع بيت غالب هلسا الذي تراجع الحديث عنه دون أسباب معلنة.

كان ظهورُ هذه البيوت فرصةً لسد ثغرات ظهرت مع إطلاق مهرجانات الفنون والثقافة، التي استقطبت بعض جمهورها من خارج البلاد، منذ بدايات ثمانينات القرن الماضي، وسرعان ما تراجع البعد الثقافيّ فيها ليتسع الهامش الاستهلاكي، وينحسر تمثيلها للثقافة المحليّة، وتترهل إداراتها مع ضياع البوصلة.

 ظلّت "البيوت ـ المزارات" معزولةً في المناطق الرماديّة لهذه المهرجانات، فهي لم تحظ بالتعريف الكافي كي تصبح وجهة للمثقفين المعنيين بالاقتراب من عوالم رموز الثقافة والإبداع في الأردن ودراسة تجاربهم. مما حدَّ من أثر المهرجانات الثقافيّة، في تطوير المنتج السياحيّ الأردنيّ،  ولم يختلف الأمرُ كثيرًا بالنسبة لدورها المفترض في تنمية المجتمع المحليّ، إذ لطالما تكشفت  قلة خبرة إداراتها في مجال عملها مع مرور الزمن، وتدني معرفتها بالمهام  المطلوب القيام بها، إضافةً إلى عجزها عن التجاوب مع الانتقادات وتحسين الأداء، مما تسبّب في تذمر عائلات المبدعين الذين تحمل البيوتُ أسماءهم من غياب الجدوى.

ترافق ظهور سياحة المهرجانات التي شقت طريقها لتتحول إلى مواسم فنية وثقافيّة مع شكل آخر من أشكال السياحة، حيث تعرفت البلاد في ذلك العقد على سياحة المؤتمرات، التي بدأت في عمان، وامتدّت إلى منطقة البحر الميت، مستفيدةً من خصائص العزلة والمناخ وسهولة الوصول إلى المدينة. وظهرت على هامش إنتاج الأفلام في الأردن ما بات يعرف بالسياحة السينمائيّة التي تقوم على تحويل المملكة إلى وجهة للتصوير السينمائي بعد ثبوت قابلية المكان لمثل هذا الدور وقدرته على المنافسة، مما يفتح المجال أمام خطط مستقبلية لإقامة مهرجانات سينمائيّة، لم تتوفر بنيتها التحتية بعد. 

رغم انتشار الأسواق الحديثة المجهزة بمتطلبات العصر "المولات" في الأردن، وإعلان العقبة منطقة حرة، وإطلاق مهرجانات موسميّة لتسويق البضائع والمنتجات، ظلت إمكانيات تسويق المنتجات السياحية في البلاد غير قادرة على منافسة مراكز تقليدية عُرفت بتميزها في هذا المجال، وأخرى مستحدثة توفرت لها ظروف التميّز على سابقاتها، لتطغى "المحليّة" على استهلاك المنتج السياحي.   

وفرت الطبيعة إمكانيات ظهور السياحة العلاجيّة في البلاد، من مثل أملاح البحر الميت، ومعادن مياه ينابيع حمامات ماعين، وندرة مكوّنات أملاح المياه الساخنة في الحمة وحمامات عفرا. ويساهم تطوّر الخدمات الطبية التي يقدمها القطاع الخاص في اجتذاب الباحثين عن العلاج والنقاهة من مختلف بلدان المنطقة.

 كما بقي الاعتدالُ المناخيُّ وتنوّعُ التضاريس حاضرين بوصفهما عاملين مشجعين لأشكال مختلفة من السياحة، فهما الخلفية التي لا بدَّ منها لنجاح الأداء، واكتمال المنتج السياحيّ، دون المساس بالصورة التقليديّة للمتنفس الذي يقصده الهاربون من صيف بلادهم الحار، والباحثون عن شمس تفتقر لها شتاءاتهم الباردة.

للمنتج السياحيّ الأردنيّ أسئلته المعلقة على أجراس المواسم، يلتقي معظمها عند هشاشة القطاع، غياب التناسب بين أعداد السيّاح وفرص النجاح التي يوفرها تنوع الإمكانيات، وقلة استغلال الفرص المتاحة بين الحين والآخر، مما يفتح مروحة واسعة من اجتهادات الإجابة عن الأسئلة، واقتراحات الحلول.

ظل الأمن - نظراً لأهميته في تحقيق النتائج المطلوبة -أكثرَ الجوانب التي أُشبعت نقاشًا عند البحث في الإخفاقات، يُسلِّم المتجادلون بأنَّ الأردن من أكثر بلدان المنطقة أمنًا، لكن توّفر الأمن الداخلي لا يقلّل من أهمية تحدّي إزالة شكوك السائح المستهدَف في استقرار أمن منطقة لديها قابلية التوتر في أي وقت من الأوقات، لتلقي حالة اللبس الأمني ظلالها الثقيلة على الحركة السياحية. 

تتفرع عن هذا الجانب الحيوي مطالبات تبدو الاستجابة لها صعبة في ظلِّ الأحداث التي تمر به المنطقة، من بينها إلغاء اشتراط الحصول على الفيزا للقدوم إلى البلاد، وإزالة القيود المفروضة على بعض الجنسيات، مما يحدُّ من بعض السياحات مثل سياحة المؤتمرات والسياحة الدينيّة والعلاجيّة في بعض الأحيان.

يأتي في المرتبة الثانية ارتفاع كلف مدخلات أساسيّة في المنتج السياحيّ الأردنيّ، مثل الكهرباء والماء والمواد الغذائيّة، مما يدفع السائح الراغب في القدوم إلى البلاد للمفاضلة مع دول تمكنت من إيجاد حلول لمثل هذه المعيقات، الأمر الذي يحدُّ من قدرة المنتج الأردني على المنافسة.

لا يخلو الأمر من تذمّر القائمين على قطاع السياحة من القوانين الناظمة التي تعيق تطوّر القطاع، قلة تطوير المرافق السياحية، عدم قدرة قطاع النقل على القيام بدوره في تنشيط السياحة، ارتفاع قيمة الضرائب المفروضة على القطاع، المعيقات المتعلقة باستكمال مشاريع الطاقة المتجددة، ويطفو ارتفاع قيمة الجمارك على السطح عند الحديث عن سياحة التسوق.

يُعدُّ ضعف تسويق المنتج الأردني إحدى القضايا المثيرة للجدل بين المنظمين الحكوميين للسياحة والقطاع الخاص، يقود الحديث عن هذا العامل إلى عوامل أخرى، من بينها غياب التخطيط والدراسة الدقيقة للأسواق المستهدَفة، وجرت العادة على تحميل مسؤولية مثل هذه المعيقات لتدني ميزانية هيئة تنشيط السياحة، ومقارنتها بمثيلاتها في الدول المجاورة. 

ترتبط بعض معيقات الحركة السياحيّة في المملكة بالقطاع الخاصِّ الذي لم يستطع تجاوز أي أزمات من قبيل قلة أجور العاملين في السياحة، عدم القدرة على الاحتفاظ بالعمالة، أو تلبية حاجة هذه العمالة للتدريب اللازم. وحينما يتعلّق الأمر بالسياحة الداخليّة تطلُّ مُعيقاتٌ أخرى، من بينها تدني المستوى المعيشي للمواطن الأردني، باعتباره دافعا للبحث عن خيارات بديلة، قد يجدها البعض في دول الجوار.

ظهرت على مدى العقود الخمسة الماضية محاولات جريئة لتحسين المناخات السياحيّة في الأردن، وتوظيف الإمكانات الطبيعية والبشرية في تنويع المنتج السياحي، لكنها ظلت تنوء تحت صعوبات تعديل التشريعات القانونية، وبيروقراطية الجهاز الإداري، وعجز الموازنة عن مجاراة متطلبات المنافسة، والأهم من ذلك كله الحروب والأزمات التي تمرُّ بها المنطقة بين الحين والآخر، مما يحول دون إحداث تراكماتٍ تكرّس الأردنَ وجهةً دائمةً للسياحة.