خيوطٌ من الأمل

غنوة عباس

 

كُلّما تَهرب خطواتي من أشباح الخوفِ والذُّعر، تشدُّها سلاسل ذكريات الآلام المُوجعة، فتلك الحادثةُ تَرفض مغادرتي وتُعاود التكرار في مخيلتي متى ما سنحت لها الفرصة، الأصواتُ والمشاهدُ، تكسّر العَظم بين الشَّفرات العملاقة الحادة وهي تدور دون  رحمة أو اكتراث لأمري، أو لأمرِ الدّماء الدافقة من ذراعي، والتي صبغت ملابسي وما حولي باللون الأحمر، ربما هذه القسوة من طِباع كل آلات الأرض، ليس ذنبها أنَّها مُجرَّد معدن خالٍ من الأحاسيس، لكن ماذا عن البشر من حولي! أيضًا هؤلاء من معدن؟!. كانت صَرخاتي تَضربُ عَرْض الحائط، فيعقبها صدىً كالرَّعد، اكتشفتُ بِه قوّتي لأوَّل مرة، حاولت سحبَ يدي والرجوع للخَلف، لكنَّها كانت عالقةً، فصرتُ أقاوم رَجفَان قدمي، وخفقان قلبي وهو يدقُّ ناقوس الخطر، أراقب العاملاتِ يهربن من فظاعةِ المَشهد، إلى أن خَمَدَت قواي واستسلمتُ، وبثوانٍ قليلة، قبلَ أن أبرحَ الأرض، عمَّ الصَّمت أرجاءَ المكان، لم أعلم ما إذا كانت أُذناي قد استسلمتا أيضًا، أو أنَّ الآلة قد توقفت!.

في اليوم التالي فَتحتُ عينيَّ، ثُمَّ التفتُ إلى يساري، لأُدرِك بعدها بأنَّني سأعيش بقيّة عُمري بذراعٍ واحدة. كانت وجوه الأطبّاءِ تشرحُ هولَ ما رأوهُ قبل بَترها، شعرتُ  بكياني من الداخل يتداعى ويتمزّق، يطلبُ اللحاقَ بها، تشتعلُ دموعي المَحمومة، وتجتمعُ بأسى الأهلِ والمُحبين مِن حولي، يحاولون التخفيف عنّي، لكن عبثًا....أغور في جراحي وحدي، يلفُّ بي الظلام، فلا أحد يستطيع أن يبلغَ قاع ألمي، تراودني أحاسيسٌ بِطَعمِ سَكرات الموت، وكأنَّني غُصنٌ يابسٌ مُلقى على رصيف الحياة.

 في طفولتي كنتُ أُمسكُ الكُرةَ بيديَّ الاثنتين وأمرّرُها لصديقاتي، وحينما أضمُّ والديّ، أجدلُ ذراعيَّ حَولهما، أمَّا الآن، في ريعان شبابي، ما عُدت أستطيعُ تقطيعَ رغيفِ الخُبز لأجزاءٍ صغيرة، والكثير من الأمور قد ازدادت صعوبةً، وفي كل تغييرٍ أكتشفهُ، كنت أدخلُ عاصفةَ شرخِ الجراح، وجلدَ الذات، ولا تتركني إلّا بعد أن تستنزفَ طاقتي كُلّها، ثمّ تهوي بي على وسادتي، فأُغرقها بشلالاتِ مأساتي.

وعندما خرجتُ إلى الحياة لأستأنفَ عملي، كانت نظراتُ الناس بِشفقةٍ ودهشة، تزيدني ارتباكًا وألمًا، حاولت الصمود، وقاومت كثيرًا إحساسي بالاختناق، ففي كلّ مكانٍ أطأُه، أشاهدُ حركةَ أفواهِهم، تَخرج منها دمدمتهم الموحشة، فأُدير وجهي، وأُحافظ ُعلى توازن مظهري، ثُمّ أستسلمُ لهدهدةِ أنغام الحُزن بداخلي، وأسألُ نفسي:

_ لماذا لا ينظرون إلى وجهي وعينيّ؟ لطالما أخبرتني أمّي أنَّ عينيّ جميلتان جدًّا؟ لماذا يُوجّهون بَصرهم إلى الجزء المفقود مني، إلى الجزء الفارغ من الكأس!. فصرتُ أرتدي الملابس ذات الأكمام الطويلة، كي تُشتّتَ انتباه العامة، وبمرور الوقت، ومع تراكم المواقف، زارتني نوبةٌ شاحبة الرؤى، كم بكيت بها وكم هفوت! أتذكّر أنّني صفعتُ وجهي بذراعي المُتبقية لَدي، فشعرت بها تتوسَّل، وتطلب مني أن أُعنون أيامي بالقوة والثبات اللازم، وهذا ما فَعلته، فقد سكنتني رغبةُ التغلُّب على حالة العجز، وتدمير صرح الحزن الذي  يتَعملَق مع الزمن، وهكذا أصبَحَتْ نَظرات الجميع، بالنسبة لي، كالحجارة المقذوفة في العراء، وهذا ما جعلني أتفوق في عملي وامتحاناتي الجامعيّة، إذ كانت يُمناي كالصّاروخ اللّاهب، تكتبُ وكأنَّها تَحفِر في الورق، تنتقمُ من سعير الأيام الماضية، تُنجّمُ عن الثلجِ في أعماقي، وتغدقهُ على قلبي ليُطفئ ناره. 

بعد مُدة رقَّ القَدَر عليَّ، فتصادمَ قلبي بقلبِ شابٍ ودودٍ، وتساهلت الأمور بيننا بشكلٍ إعجازي، كانت روحي تُعيد شحنَ نفسها بالحب والسعادة، و تَمَّت خطوبتُنا بأجملِ من كلّ جميلٍ تَخيَّلته، وذات مرة، وأثناء العمل، سألتني إحدى الزميلات بأخفتِ صوتٍ يُمكن سماعه، وكأنَّ الكلمات انحدَرَت منها دون إرادة : 

_ألا تخافينَ الانفصال عنه؟ أشعر بتعلُّقك به، لكنَّ خاتمَ الخطوبة ينتقل عند الزواج من اليد اليُمنى إلى اليُسرى، وقد فقدتِ يُسراكِ يا عزيزتي... مُتأسّفة لذلك، لكن وكما تعلمين، الحياة تَصنع مصائرنا، وكلُّ شيءٍ مُحتمل.

 تجشَّمت شفتاي قساوةَ كلماتها، وانصرفتُ باكيةً، فقد لدغني هاجس الضياع، وانخلقَ لديَّ وهمٌ جديد، لم يتوقف عن ضربي بسياط الأسى، أنظرُ إلى الخاتم الجميل المحيط بإصبعي، أترقب الأشعّة الصفراء من كبدِ السماء وهي تزيد لمعانه، فتنتفض جوارحي كُلّما نظرت إليه، رُبّما أخافُ الانفصال حقًا، أخافُ أن أخسرَ مرَّة أخرى بعدما فقدت ذراعي، ولا أريد العودةَ لأسوار الجحيم، أو استئنافَ مسيرة الألم وذكرياتها، لكن أخافُ من تراجع خطيبي الذي افَترَضته زميلتي، ماذا لو نظرَ بجدّية إلى الجزء المفقود مني؟ أيُعقل أنَّه لم يراه؟ أو رُبما رآه لكنّه أرادَ المُضيَّ معي في طريقه.....

هكذا بقي هذا الصراع ينهش روحي، إلى أن جاء يوم الزفاف، ما عدتُ أعرف أيجبُ أن أخافَ أو أن أفرح!. كان صفاءُ الجو يُعطيني الثقةَ، فيشمخ أمامي انعكاسُ ظّلي، وكأنّه يُبارك لي الأحداثَ القادمة، فانتفضتُ أقومُ بواجباتي اتجاهَ هذا اليوم، وأقاوم كُلَّ فكرةٍ سيئةٍ لعينة، إلى أن حَلَّت الساعة، والأوراق أمامنا، فجاءَ سُؤال المأذون وسطَ الأهل: هل ترضى بها زوجةً تكون أمانًا لك؟.

نغماتٌ وذكريات تسابقت في الفضاء، أحسستُ بقلبي ينقبضُ ثمّ ينبسط بسرعة، تسارعت أنفاسي، إلى أن أجابَ بصوته الجسور: 

- نعم أريدها زوجةً يا حضرة المأذون... 

وكأنَّ الصوت كانَ دفينًا في أعماقه، فملأَ كُلَّ زاويةٍ في المكان. وبغفلة أمسكَ يدي اليُمنى، وأسدلَ كفَّه ليلمسَ برفقٍ الخاتم في إصبعي، ويَشُدَّ عليه، تناهت إليّ نَظراته تُخبرني أنَّه يَعرِف خوفي مِن تلك اللحظة، وكأنَّهُ يطلبُ مني نسيان ما مَرَرتُ به، فأدركتُ أنَّ الفراغ الذي لدي، ليسَ سببهُ تلكَ الحادثة فحَسب، وإنما وَهمٌ خلقتهُ بنفسي، فجعلتُ من الفراغ نقصًا وعجزًا، ولو كان عجزًا حقيقيًّا لأَسَرَني بقفصِ الحرمان، لكنّني الآن أقفُ حُرَّةً أمامَ ذاتي، بعينِ الكمال، أرى الأنوارَ في آخر المطاف، قد نجَحت بإرسال خيوطٍ من الأمل.