الجامعُ الكبيرُ بحرّان أقدم جامع في الأناضول

"شاهدٌ على تراث الأمويين"

د.ربيع أحمد سيد أحمد

أستاذ الآثار الإسلامية، كلية الآثار، جامعة الفيوم، مصر.

كاتب وأكاديمي مصري.

مدينة حرّان:

ذكرها ياقوتُ الحمويُّ في معجم البلدان بقوله: " تشديد الراء، وآخره نون، يجوز أن يكون فعّالًا من حرن الفرس إذا لم ينقد، ويجوز أن يكون فعلان من الحرّ، يقال:  رجل حرّان أي عطشان، وأصله من الحرِّ، وامرأة حرّى، وهو حرّان يرّان، والنسبة إليها حرناني، بعد الراء الساكنة نون على غير قياس، كما قالوا: مناني في النسبة إلى ماني والقياس مانويّ وحرّاني والعامة عليهما، قال بطليموس: طول حرّان اثنتان وسبعون درجة وثلاثون دقيقة، وعرضها سبع وعشرون درجة وثلاثون دقيقة، وهي في الإقليم الرابع، طالعها القوس ولها شركة في العوّاء تسع درجات، ولها النسر الواقع كله، ولها بنات نعش كلها تحت ثلاث عشرة درجة من السرطان يقابلها مثلها من الجدي، بيت ملكها مثلها من الحمل بيت عاقبتها مثلها من الميزان، وقال أبو عون في زيجه: طول حرّان سبع وسبعون درجة، وعرضها سبع وثلاثون درجة، وهي مدينة عظيمة مشهورة من جزيرة أقور، وهي قصبة ديار مضر، بينها وبين الرّها يوم وبين الرّقّة يومان، وهي على طريق الموصل والشام والروم؛ وسميت بهاران أخي إبراهيم، عليه السلام، لأنَّه أول من بناها فعرّبت فقيل حرّان، وذكر قوم أنَّها أول مدينة بُنيت على الأرض بعد الطوفان، وكانت منازل الصابئة وهم الحرّانيّون الذين يذكرهم أصحاب كتب الملل والنحل، وقال المفسّرون في قوله تعالى" إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي"  ، إنه أراد حرّان .

وصف الحميري في الروض المِعطار جامع حرّان بقوله "ويتصل بأسواقها جامعُها وهو غايةٌ في الحُسن، وله صحنٌ كبيرٌ فيه ثلاث قباب مُرتفعة على سواري رُخام، وتحت كُل قبة بئر عذبة" . وأورد ابن جُبير " وأمّا جامع حرّان الكبير، وهو أقدم جامع في الأناضول، وهو الجامع الكبير، ويُعرف بمسجد الفردوس"، وتهدّمت حاليًا مُعظم أجزاؤه، ولم يتبق منها إلا القليل، وهي لا تزال تحتاج لحفائر، وقد بُني جامع حرّان من الأحجار الرمادية مع البازلت الأسود، وكان سقفه وأبوابه من الخشب. وأغلب الظنّ أنّ هذا الجامع شُيّد في آواخر عصر بني أمية فيما بين عامي (126-132هـ/ 744-750م) في عهد مروان الثاني (مروان بن مُحمد آخر خلفاء بني أمية)، وهي الفترة التي اتُخذت فيها حرّان مقرًا للخلافة الأموية، ثم طرأت عليه تجديدات في عصر الزنكيين والأيوبيين.

 

خريطة تُوضح موقع حرّان

وأورد الصفديّ في حديثه عن إمام جامع حرّان بقوله " إِمَام جَامع حرّان مُحَمَّد بن الزبير الْقرشِي مَوْلَاهُم إِمَام جَامع حرّان كَانَ يُؤَدب أَوْلَاد هِشَام بن عبد الْملك" .

آخر مُنجزات العصر الأمويّ:

يرجع الفضل في بناء الجامع الكبير بحرّان لآخر خُلفاء بني أمية "مروان بن محمد"؛ وذلك عندما اتخذّ مدينة حرّان عاصمةً لحكمه (126-132هـ/ 744-750م)؛ بديلًا عن مدينة دمشق.

الآراءُ التي قيلت عن تأريخ المسجد:

زار "كريزويل" موقعَ المسجد، ودَرسهُ؛ وأرجع تاريخ المسجد لعهد الخليفة الأمويّ مروان بن محمد؛ ويُشير إلى تجديداتٍ وإضافاتٍ معماريّة طرأت على المسجد في فتراتٍ لاحقة.

وحدَّد الدكتور أحمد فكري تاريخ الجامع بعهد مروان بن مُحمد بل ذكر أنّ تاريخ بناء الجامع هو 130هـ/ 748م.

 

 

 

أطلالُ الجمع شاهدةٌ على نقش مهم لصلة الكلدانيين بالعرب:

فقد عُثر في "حرّان" على كتابة مهمة جدًّا، دَوَّنها الملك "نبونيد"، عُثر عليها في سنة "١٩٥٦م"، وكانت مدفونة في خرائب جامع حرّان الكبير، وتُرجمت إلى الإنجليزية، وهذه الكتابة تتحدث عن تأريخ أعمال هذا الملك، ومما جاء فيها أنّه لما ترك بابل، وتوجّه إلى تيماء  الحجاز بالمملكة العربية السعودية، أخضع أهلها؛ ثم ذهب إلى "ددانو" "ديدان" و"بداكو" و"خبرا" و"إيديخو" حتى بلغ "أتريبو"؛ ثم تحدث بعد ذلك عن عقده صلحًا مع "مصر" و"ميديا، ومع "العرب؛ وقد ختم العمود الذي جاء فيه هذا الخبر بأسطر تهشّمت جمل منها؛ ويُفهم من مآلها أنَّ العرب المذكورين أرسلوا إليه رسلاً، عرضوا عليه عقد صلح معه، واستسلامهم له، فوافق على ذلك بعد أن كبَّدهم جيشه خسائر فادحة، وأسر منهم ونهب، ولم تذكر تلك الأسطر المواضع التي حارب فيها جيش "نبونيد" أولئك الأعراب. وقد يُفهم من هذه السطور الأخيرة أيضًا أنَّ بعض هؤلاء العرب هاجموا البابليين، ونهبوا المناطق الخاضعة لهم بالرغم من عقدهم الصلح معه، وموافقتهم على أن يسالموه، وهذا ما دعاه إلى إرسال حملات تأديبيّة إليهم، أنزلت بهم خسائر فادحة .

توثيق "كريزويل" للجامع الكبير بحرّان :

زار "كريزويل" موقع المسجد، وذكرّ أنّ المسجد يشغل مساحة واسعة قريبًا من شكل المربع؛ وطول كل ضلع منها حوالي 100م؛ وظلة القبلة يبلغ عمقها حوالي 38متر، وتتصل بالصحن عن طريق جدار تخترقه مجموعة من الأبواب، ذكر ابن جُبير أنَّ عددها تسعة عشر بابًا منها باب عظيم في المنتصف وتسعة أبواب عن كل جانب؛ والباب الواقع بمنتصف البائكة قوسه عظيم يمسك من أعلى الجدار لأسفله؛ ويبدو وكأنَّه من أبواب المدن الكبار".

 

قطاع رأسي تخيّلي للباب الرئيس المُشرف على الصحن؛ والذي وصفه ابن جبير، من عمل هرتزفيلد، محفوظ بمتحف المتروبوليتان بنيويورك، عن،

https://libmma.contentdm.oclc.org/digital/collection/p16028coll11/id/377

 

 وأمّا بيت الصلاة فيتألف من أربعة أروقة تُحدّدها ثلاثة صفوف من الأعمدة، وتحمل بدورها بوائك ترفع السقف، وتمتد من الشرق إلى الغرب، وفي كل صف منها عشر بلاطات عمودية على جدار القبلة، ويبلغ متوسط عرض كل من البلاطات تسعة أمتار؛ ويقع محراب المسجد في منتصف الجدار الجنوبي للمسجد، ويتجه قليلاً جهة الغرب.

وثمة مدخل يقع في الجدار الشرقي للمسجد، ولا يزال بالإمكان رؤية فتحته؛ ويعتقد "كريزويل" أنَّه كان هناك باب آخر في الضلع الغربي، حيث كان بمقدور المرء أن يُشاهد آثار جدارين متوازيين يبعدان عن بعضهما حوالي 2.75م.

وفي منتصف الجدار الشمالي يقع باب المسجد الرئيس، ويقع على محور المحراب نفسه؛ والباب الفخم الواقع في منتصف الجدار الشمالي للظلة المسقوفة، وجاء في وصف ابن جُبير بقوله: "بهية المنظر جميلة الوضع، كأنَّها من أبواب المدن الكبار".

المنارةُ للآذان ومرصد فلكي: 

يذكرها أستاذنا الدكتور حسن نور بقوله " والمنارة بمسقطها المُربع استخدمت للآذان، كما كانت مرصدًا فلكيًّا؛ وهي تُشبه كثيرًا منارة جامع حلب الكبير، والذي يرجع لعام 482هـ/ 1089م .   

 

منارة الجامع الكبير بحرّان، التقطها هرتزفيلد، عام 1943م، محفوظة بمتحف المتروبوليتان بنيويورك، عن،

https://libmma.contentdm.oclc.org/digital/collection/p16028coll11/id/6094/rec/3

وقد أجرى "ديفيد رايس" حفائر في المنطقة فيما بين عامي (1951-1956م)، ونشر نتائجها، وذكر أنّ مقاسات الجامع كانت 104× 107م، وارتفاع منارته 33.30 مترًا؛ وله محراب وميضأة، ومداخل.

وكان في الصحن حوضٌ مُثمن مُحيطه الإجمالي 6.1 مترًا، ومحيط المُثمن يحمل علامات قواعد الأعمدة الواضحة، وقطع عديدة من الأعمدة التي كانت تحمل القبة، ورُبما يُعزّز ذلك ما ذكره ابن جُبير أنّ هذا البناء من أيام الروم، وطرأت عليه تغييرات في العصر الأموي؛ والحقيقة أنّها لم تكن مُجرد قبة فوق أعمدة، بل غرفة كروية فوق أعمدة بمثابة بيت مال يُشبه مثيله في جامع دمشق . 

 

بقايا جدران الجامع الكبير بحرّان، من تصوير كريزويل عام 1921م، ومحفوظة بمتحف فيكتوريا وألبرت بلندن، عن، 

https://collections.vam.ac.uk/item/O1256068/turkey-harran-the-great-mosque-photograph-creswell-keppel-archibald /

كما يُلاحظ في الجامع الكبير بحرّان محاولات تقليد بعض العناصر المعماريّة التي كانت في الجامع الأمويّ بدمشق، مثل القبة التي تحملها الأعمدة التي في الصحن المكشوف؛ وكذلك موقع وشكل الباب الرئيس المُطِّل على الصحن والمُوصِل لظلة القبلة.

 

الجامع الكبير بحرّان، وتظهر البقايا المعمارية، والمنارة، عن، 

https://www.flickr.com/photos/58789412@N00/1589066885/  

 

الحوضُ المُثمّن بوسط الصحن:

تُوجد بقايا صحن مُثمّن في وسط صحن المسجد؛ ويحمل علامات قواعد لأعمدة كان غرضها حمل قُبة؛ ويقول عنها كريزويل " لم تكن مجرد قبة فوق أعمدة، بل غرفة كرويّة فوق أعمدة؛ وهي في الحقيقة تُشبه قبة المال بالجامع الأموي الكبير بدمشق" . 

 

صهريج الجامع الكبير بحرّان، عن،

 

عُقود الجامع الكبير بحرّان، وتظهر البقايا المعمارية، من تصوير كريزويل عام 1921م، ومحفوظة بمتحف فيكتوريا وألبرت بلندن، عن، 

https://collections.vam.ac.uk/item/O1256068/turkey-harran-the-great-mosque-photograph-creswell-keppel-archibald /