كلُّ هذا الموت

طارق مكاوي

شاعر أردني

 

على خراب الشامِ يغفو الطائرُ المنسيُّ مقصوص الرياشْ. 

بينا أنا أرتاب في عليّةٍ ما مسّها قصفٌ

 ولا حكّت سماها الطائرات. 

أمضي أريح الحب في قلبي

 وأرعى سرب أحلامي 

لعلّي كنت أنجو من جنونِ القصف

 أو يرتاح هذا القصفُ من منظومة الموتى. 

وعلِّي إذ أنام الآن تصحو الشمسُ خلف البيت 

يصحو حيُّنا المهدومُ من عمق الموات.

 أمشي أرشُّ الشمسَ في هذا الترابِ ليستفيقَ الزعترُ البريُّ

 والبنت التي مرت بكاس الشاي قبل القصف.  

إنّي أشمُّ الزهر في صدر البيوتْ. 

 أشتمُّ في هذي الفصول موسمَ العشاق بعد القطف 

نصفي حائمٌ فوق  الهيولى 

غيمةٌ ترتاح في لحنٍ مريضٍ غامقٍ لا شطح يسبي شطحه العاري. 

ويفضي أولات الدرب من خطوي لعلي لا أعود.

أو أستعيد الدرب من جيب  الكلامْ.

  من قبل أن تندسَ شمسٌ في أمانينا  

 وأن تمضي البيوتُ من البيوتِ بحبّها نحو الظلالِ 

من قبل أن تنسى الصغار الطيبين.  

من قبل أن أستلني حتى أموت.

 

أشتمُّ أغنيةً تنامُ على عروق الياسمين

تظلل الدنيا وتشرب قهوةَ الصبح الأخير.

أشتمُّ رائحةَ الغناء على زُجاج الطابق السفليّ

 لامرأةٍ تداعبُ طفلها

 اشتمُّ طفلًا عاجزًا عن شهوة الإغفاء.

طفل تبرعم من عروق الياسمين، وظلَّ محتفيًا برائحة السماء. 

تلك التي ما أمّها طيرٌ حديديٌّ

ولا زعق الظلام على مباهج عينها.

سأظلُّ أكتبُ فوق سطح البيت 

أكتب شكل من ماتوا وصاروا زنبقًا

وأُعيد تلوينَ الحقيقةِ 

ما يوصّيه الذين رموا أرواحهم للريح، 

من دخلوا على الحرب التي اختبأت بدولاب الزجاج 

ومن أفاقوا فجأةً 

حتى يعودوا عن خطاياهم سريعًا 

كي يفوت الياسمين إلى الدروب

 ليستعد زجاج بيتهم المعلّى بالنشيد.

 

لي من زمان ما رأيت الشام 

ما اكتحلت ليالي غربتي في كهرمان الماء

ما نسج الهواءُ قصائدي 

في كلِّ بيتٍ من حواريها القديمة 

إنَّها الشام التي نسجت غلال الياسمين

 لكي تؤدي طقسها اليومي 

تمنح ما تريد من الدروب

 والأغصان حلم الماء والجو المعشق بالحكايا 

من مكامن ظفرت بالنار والحناء 

وتحوك من فرح الشبابيك القديمة

 موعد المشتاق كي يشتاق.

من أيِّ نافذة سأصنع مقلتي؟

من أيِّ بيتٍ سوف أزرع وجهك القمري؟

 يا ولدي لتكتمل الفصولُ على مدار الأفق

متشحًا سيوف بني أمية كي تعود الشام روح الماء

 ومفتاح القصيدة حين يخبو الحب في بحر البديع 

 ليحتفي فيها علاك.

 

لكن سأجلسُ فوقَ هذا الموتِ 

كي أبني بأبهةِ الكلام مجرّةَ الأطفالِ

 أبني كلَّ موالٍ عتيقٍ 

جرّر الأنفاسَ في عتم الدروب 

ورصّع الدرجاتِ بالوله الحنون 

وعضَّ لي قمري ونتّش لي حنيني 

كم قمتُ أرسمُ قامتي في كلِّ مِئذنةٍ 

وقوّضني أنيني

يا شامُ يا نقشَ الجنونِ على أواني البيتِ

يا رفَّ الطيور على الدوالي الغافلاتِ من التّشظي

يا غيومًا تجتذبها الريحُ  

كي تفتضّها في باب بيت الله  

يا شمسًا

على قلبي يقيني

إنّي سأمسحُ كلَّ هذا الموت 

لأستعيد كتابتي في مقلتيك

 وكي تريني.