"السيرُ وحيدًا في الحشد"

 

 

أنطولوجيا المُدن الرقميّة

بسمة علاء الدين

كاتبة وناقدة مصرية

"أُريدُ أن أعيشَ على الأقدام، باليد، بالقلم الرصاص، بسهولة، مستجيبًا لكل ما أقابله، طليقًا مثل الهواء الذي يتحرك حول جسدي أثناء المشي، أو مثل ضربة سباحة رشيقة. أريدُ أن أبقى مندهشًا ".

"السيرُ وحيدًا في الحشد " في هذا الكتاب الحائز على "جائزة ميديتشي" الفرنسيّة عن فئة الأدب الأجنبي لعام 2020، يكتب الروائيُّ الإسبانيُّ "أنطونيو مونيوز مولينا" بطريقةٍ مغايرة، واضحة غير مألوفة، بحساسية شاعر وهو يجمع إعلانات مترو الأنفاق، والإعلانات التجاريّة والمحادثات المسموعة وعناوين الأخبار، مع كتابة تبدو وكأنَّها جزءٌ من الخيال ومذكرات جزئيّة.

 الدورُ السرديُّ الطويل الذي يشير إلى انفصال كُلّي بين ذات السارد بضمير الغائب والشخصيّة المحوريّة التي تجسّدها الشخصيّة الرئيسة للراوي، هُنا رجُلٌ يتمتع بإحساس من القرن العشرين، تم نفيه في تجاوزات القرن الحادي والعشرين، يتعافى من نوبة اكتئاب  واضطراب ثنائيّ القطب، ما بين الحنين إلى الماضي والقلق. ولأنَّه قبل كل شيء قارئٌ شغوف، فإنَّ المشروع الذي يبقيه على أرض الواقع هو جمع الكلمات التي أطلقتها المدن التي يتجول فيها. انضم إلى نزهةٍ عبر مدريد وباريس ولندن ونيويورك، حيث يعيش الماضي والحاضر جنبًا إلى جنب في أدبيات عناوين الصحف واللوحات الإعلانيّة، والنظرات غير الرسميّة والمحادثات المسموعة، هذه هي المدينة الرقميّة، التي تم التقاطها في دفاتر الملاحظات المسجلة على الهاتف المحمول، ليكتب قصيدة غير مكتملة للمدينة المزدحمة.

كلُّ قسمٍ، لا يزيد عن بضع صفحات، وأحيانًا فقرة فقط، يحمل عنوانًا بعبارة قصيرة بالخط العريض، مقتطعة من مكان آخر: إعلان هاتف محمول، علامة شخص بلا مأوى، كُتيب سفر. ليعطي تأثيرًا شعريًّا للسرد، لا أشير بهذا إلى التصوّر الخاطئ الشائع عن الشعر باعتباره شكلاً عاطفيًّا، أو "لغةً غنائيّة" تعني أيضًا فعلَ تعقُّبٍ واستجلاء، بل أشير بالأحرى إلى أسلوب الشعر السلس في قلب عبارة مبتذلة من الداخل إلى الخارج، وجعلها تتوهج بمعنى جديد، لن أسمّي إحساس مولينا غزيرًا، بل فضوليًّا، منفتحًا، إذا كان ممزوجًا  بمسحة من التعب والشرود.  

هناك- دائمًا- متسعٌ لكلِّ شيء، ولكلِّ شخص، في الرواية استعارات السيرة الذاتية التي ارتكزت على بنيتها المحوريّة، ليتدفق من النصِّ السرديّ سيلٌ من الاسكتشات، سيرة ذاتية ثاقبة أو تأملات حول حياة كتّابه المفضلين، يقودها "المتجوّلون الأدبيون": توماس دي كوينسي، وإدغار آلان بو، وتشارلز بودلير، ووالتر بنيامين. على سبيل المثال، يتعامل الكاتب مع شخصياته صوب حدودها المرسومة لها منذ البداية، بإخلاصِ مؤمنٍ حقيقيٍّ يسردُ حياة القدّيسين، يجعل القارئ يغرق في خليط من النصوص، في البداية موكب مربك من المحادثات المسموعة، قصاصات الصحف، ونسخ الإعلانات، مختلطة بين هذه الأشياء التي تمَّ العثور عليها من تأملات الراوي (حول مواضيع مثل بهجة الكتابة بقلم رصاص)، مقاطع رقيقة عن المرأة التي أحبَّها عبر العقود، قصة موازية لشخص غريب غامض يقوم بمهمة مماثلة (قد يكون شبحًا، أو مسافرًا عبر الزمن، أو شخصًا نسج عقله القلق).

في حين أنَّ الكتلة الهائلة من النصِّ وحلقاته المتكررة -أحيانًا- تتطلب ثباتًا من القارئ، فإنَّ فائض الرواية المترامي الأطراف، وعدم رغبتها المرحة في أن تكون شيئًا واحدًا، هي أعظم قوّتها ومصدر رونقها،  فإنَّ الإلمام بأعمالهم يثري السرد، ولكن ليس من الضروري تقدير سرد سنواتهم المأساوية الأخيرة.

يحكي القسم الثاني، "السيد لا أحد"، قصةَ رجلٍ يتجوّل في مدينة نيويورك "ليس له اسم، في الوقت الحالي، ولا وجه، ولا سيرة ذاتية" ويشعر كما لو أنَّه "واحد آخر بين سكان المدينة غير المرئيين.. " "السيد لا أحد "متشابكٌ مع قصص عن  الرجال المشهورين أنفسهم، ولكنَّه يشعر بقدرٍ أقل من الخوف من الأماكن المغلقة؛ لأنَّ "مونيوز مولينا" هنا يركّز أكثر على وصف المدينة وسكانها، مما يثري تجربة التجوّل، تصل الإغاثة عندما تصبح الصورة المجمّعة تجسيدًا للحياة أو الرأسمالية، أو الشرود، أو الذات.

ومن منظورٍ سياسيٍّ، تسود الفوضى، تلمّح الرواية إلى جدولٍ زمنيٍّ أيضًا: جنون بوكيمون يجتاح مدريد، وأخبار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عند الفجر، في باريس تحدّد الافتتاح في يونيو 2015، في حين أن اسم ترامب "أُطلق على الفور مثل الألفاظ النابية" من الراديو في نيويورك، يصادف فصل الشتاء التالي نهاية الرحلة في أبريل 2016، ولكن على الرغم من كل هذا الوقت، فإنَّ الإنترنت غائبٌ بشكلٍ ملحوظ،  ليكشف عن أنطولوجيا الأشياء، وهذا دليل على ارتباط الراوي بالشيء الملموس، في حين أنَّه يصف العالم الرقميّ بأنَّه "شبحي" ، فإنَّ عالم الأشياء يتطوّر للأسوأ، يشمل التدفق اللامتناهي للنفايات البلاستيكية التي تجوب المدن.

ثمة مسلماتٌ انطلق منها المؤلف في كتابه تجمع بين الرؤية والغرابة، في ضوء مقدرة الشخصيات وتجسيدها بصورة مقنعة، يمكن بسهولة للقاريء فهم جوهر الفكرة المطروحة في المتن السرديّ للرواية، وتصنيفه على أنَّه عملٌ علميٌّ حول الحداثة والسيميائيّة، وما إلى ذلك، ولكنه غياب الاستشهادات، سحر الأجزاء التي تبدو كثيرة جدًّا في كل سلس يمنحها مظهرًا عصريًا صفيقًا. لا يقتصر التحقيقُ على عالم الأدب، بل يتعلق بالعالم الكيميائيّ الذي يسعى إلى معرفة تركيبة الشوارع والأحذية والمشي، التي تؤثر على العملية الإبداعيّة، ومن خلاله ضمنيًا، ما هي القوى التي تحوّل القارئ إلى المشي وسط ضوضاء العالم ما بعد الحداثيّ؟!.